8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

بحرنا

باكراً نتهيّأ للبحر. بات الصيف يبتدئ قبل أوانه. فوضى الفصول على وقع فوضى البلاد وفوضى العيش. وهرباً من الغيظ اليومي، من نفورنا السياسي، من اشمئزازنا مما حدث ويحدث.. نتلهف للبحر باكراً. كأننا بذلك نبتعد عن متن السكن وأرض العمل، هناك عند الحد المائي للبلاد، إذ نشعر بأننا، على الشاطئ، كمن على أهبة السفر، وعلى وشك مغادرة هذه الجغرافيا التعسة، هذا الحطام الذي نحيا في ثناياه.
نستعجل الذهاب إلى البحر، ممنين أنفسنا ألا نشم الرائحة القذرة، التي تطبق على بيروت، وعلى رئاتنا المشبعة بالغبار والوسخ والدخان والسموم. نتحضر للماء والشمس والهواء الطلق والاسترخاء، بحماسة مضاعفة، لا للاستجمام والنقاهة وحسب، بل ابتعاداً عن هذا العفن المتراكم في النفوس وفي السياسة وفي اللغة والمعاملات اليومية، وابتعاداً عن السفاهة والسخافة والانحطاط والعنف المعنوي والجسدي المستشري في الجسد اللبناني.
نجهّز أنفسنا لصيف مبكر، متوهمين أن البحر ما زال كما هو، على صورة ما نتخيله ونتذكره: مدى شاسعاً من الزرقة والرقة والمياه المنعشة وهناءة الوقت وراحة الأجسام.. نتوهمه فسحة لمتعة الحياة والكسل. نتوهمه طقساً من السباحة والرياضة والتسلية والعطلة العائلية.
لكن لا، بحرنا كما بلادنا، منتهك حتى الأعماق بالنفايات، بالمجارير، بالتلوث وبالفساد. بحرنا ممزّق بين مساحات مصادرة، بقوة المال والنفوذ والجشع المافياوي من جهة، ومساحات مشرّعة على الزبالة والسموم.
شواطئنا جثة متحلّلة لبلاد غريقة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00