8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

تلك الرائحة

هي ليست رائحة النفايات، المتكدسة في ثنايا عاصمتنا. هي ليست رائحة التخمر والتعفن للقاذورات، المتراكمة عند أحفة بيروت، وعلى ضفاف نهرها ومرفأها. هي ليست رائحة التحلل المديد لزبالتنا.
هي رائحتنا، رائحة الجمهورية المريضة، رائحة الغرغرينا المتوغلة في لحم البلد وعظامه ونخاعه.
هي رائحة النتانة الطوائفية وعفن الطائفية. هي رائحة بكتيريا الانحطاط المذهبي. هي رائحة جراثيم العنصرية. هي رائحة أنفاس السياسة الموبوءة بالكذب والجريمة والتفاهة. هي رائحة سرطان المافيات والعصابات.
هذا ليس بعوض المستنقعات والأنهار والبرك، وليس ذباب المنازل والفاكهة. هذه حشرات وسخنا، بعوض تفسّخنا، ذباب إفرازاتنا. هذه حشرات قيحنا، برغش الغش والخداع، وذباب النذالة والخِسة. هذه، باختصار، حشرات مناكفاتنا وحزازاتنا وضغائننا وصغائرنا، حشرات احتضارنا على قارعة الجمهورية الميتة.
تلك الرائحة التي تقتحم أنوفنا، تخنقنا، تداهم نومنا واستيقاظنا، تستولي على أنفاسنا، تطاردنا وتحاصرنا كيفما اتجهنا، كما لو أنها ميليشيات غير منظورة تغزو المدينة والبيوت، كما لو أنها سلاح إرهابي غير مرئي يهدّد حياتنا.. ليست حدثاً بيئياً، ليست عارضاً صحياً. هي الإنجاز الوطني الأخير في مسيرتنا المظفرة نحو الهاوية.
هي ليست روائح وحشرات نفايات منازلنا وحسب، بل هي من نفايات مجتمعنا وأخلاقنا وسياستنا وصحافتنا ودولتنا. هي صورتنا وعطرنا وحالنا ونسيم ليلنا ونهارنا.. هي هواء ربيعنا الميت، وعطن صيفنا الأخير.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00