لا شيء قادراً على جمع الذاكرة، واستنطاق الأمكنة، وتأليف المعاني، مثل الفن. وبيروت المغوية، الفاتنة، هي عاصمة تتنفس وتحيا بصناعة فنها، بتجديد معناها، بتأليف صورتها وتجميلها. هي من أكثر المدن العربية المتقلبة عمراناً واجتماعاً وأحوالاً، يمتزج فيها الترفيه والثقافة كأسلوب حياة.
كل يوم ينهض حيّ جديد، فبعد نفض شارع الحمرا وازدهاره الليلي، استفاق شارع بدارو ليكون قبلة جديدة للسهر. اليوم، أتى وقت شارع فردان وامتداده نحو عين التينة والأونيسكو وسفح تلة الخياط وتخوم الصنوبرة. فالنهضة العمرانية الباذخة التي عرفها فردان، مستقبلاً طبقة ميسورة متوسعة، رافقها بناء فنادق ومولات وأسواق ومطاعم ومقاه ومؤسسات خدماتية وبنوك وصالات سينما..إلخ.
استجابة لهذا التحول العمراني الاجتماعي، يخوض يحيى جابر مغامرة الخروج من شارع الحمرا (محور المسارح والحياة الثقافية)، مدشناً تياترو فردان (في مول الدون)، بمسرحيته الجديدة، كتابةً وإخراجاً، بيروت فوق الشجرة، تمثيل زياد عيتاني مع جمال عبد الكريم.
مسرحية الحكايات المتناسلة من شخصية بيروتية، تروي سيرة أزمانها الجامعة للهويات واللغات والطوائف، من العثماني واليوناني والمصري والسوري والأرمني والفرنسي والخليجي، وما لا يحصى من أحوال كوزموبوليتية، عرفتها المدينة، في توليفة حميمة مفعمة بالعاطفة والحب والمرح الذكي. هي صيغة يحيى جابر الخاصة والمتمكنة، تعيد الاعتبار لمعنى المسرح الشعبي، لا الشعبوي المبتذل والسطحي. صيغة تحترم الخيال واللغة الشاعرية وذكاء المتفرج وذاكرة الناس أيضاً.
بيروت فوق الشجرة تعيد الروح لبيروت التي تخيلناها وانتفضنا من أجلها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.