على امتداد عشر سنوات دأب حزب الله والنظام السوري ورهط الرثاثة الإعلامية من المتفوهين باسمهما، على اتهام التحالف المدني والسياسي العريض، من اللبنانيين المنضوين تحت إسم 14 آذار، بالعمالة لإسرائيل ولأميركا، وبالتواطؤ مع مخططات الغرب ومؤامراته التي لا تنتهي.
وترتّب على هذا الإتهام، إشهار السلاح بوجه الأغلبية المؤكدة من اللبنانيين، والطعن في هويتهم ووطنيتهم، وإعمال العنف وسيلة لترهيبهم وإخضاعهم ومعاقبتهم. وإزاء تهمة الخيانة والتآمر، جاز القتل والاغتيال، في أي وقت، لكل من يعارض سياسات هذا الحزب وذاك النظام، وممارستهما.
وكان مسلسل الاغتيالات المبتدئ، أو بالأحرى المتجدد، منذ أواخر العام 2004، قد طال شخصيات بارزة سياسية وإعلامية وأمنية، وآخرها كان تفجير سيارة مفخخة أودت بحياة الوزير محمد شطح ومرافقه وستة مواطنين مدنيين (كانون الأول 2013). وأفضى الاغتيال المدوي للرئيس رفيق الحريري، كما هو معروف، إلى قرار أممي بإنشاء محكمة دولية خاصة بلبنان، بدافع من إرادة إنهاء زمن الإفلات من العقاب في هذه المنطقة. بمعنى آخر، حان الوقت لسكان هذا الجزء المنكوب من العالم أن ينعموا بسيادة القانون والعدالة، بوصفها شرطاً للكرامة والحرية والمساواة.
وكان من نتائج قرار إنشاء تلك المحكمة، وتأليف فريق تحقيق دولي في الإغتيالات والتفجيرات، أن تفشى السخط والغضب في رأس حزب الله وجسمه، كما في قلب نظام الأسد وعصبته، فتعاون الحليفان الاستراتيجيان برعاية ولي الفقيه الإيراني وحرسه، على مواجهة تداعيات التحقيق الدولي وتأسيس المحكمة، بمزيد من القتل والعمليات الإرهابية، وبتعميم مناخات حرب أهلية والتلويح بها، بل مباشرتها تقريباً في أيار 2008، وقبلها افتعال اشتباكات مع إسرائيل في صيف 2006، تطورت إلى حرب تدميرية خرجت عن قصد حزب الله منها، خروجاً كارثياً ( والعبارة الصائبة لحسن نصرالله: لو كنت أعلم). ويجوز اعتبار افتعال تلك الحرب واحداً من اقترافات حزب الله الكبرى. ثم تلتها تلك المؤامرة الجهنمية التي نفذها النظام السوري في مخيم نهر البارد في ربيع وصيف 2007 تحت مسمى فتح الإسلام، وهو الخبير في اصطناع واختراع منظمات إرهابية أصولية على طريقة فيديو أبو عدس، كما على طريقة تفريخ منظمات أخرى، يعرفها تماماً الفلسطينيون واللبنانيون والعراقيون والسوريون، واختبروها منذ عقود في زواريب المخيمات وأزقة الضواحي وأحياء المدن..
ويدلنا مسلسل الحوادث والكوارث الذي أنزله هذان الحليفان بلبنان واللبنانيين، إيغالهما حتى النهاية في العداء العميق لمطلب العدالة، بمعناها الشامل، واستنكارهما لأي مسعى نحو دولة القانون والدستور، ومبدأ المساءلة والمحاسبة، وحق المواطنين في الرقابة والتعبير والانتخاب، وتعيين المصلحة العامة، وتداول السلطة، وإدارة المنازعات وتدبير تسوياتها وإناطة القضاء في البت بشؤون الناس وخلافاتهم، وصون السلم والأمن، واحترام مبدأ فصل السلطات، والتسليم للدولة ومؤسساتها بسلطتها المقيدة وسيادتها المطلقة وحقها في احتكار العنف والسلاح.
وكان من نتائج العناد الدموي الذي غرق فيه حزب الله ونظام بشار الأسد إلى حد جنوني، ملاحقة وقتل كل من تعاون مع لجنة التحقيق الدولية، أو أسهم بانجازات أمنية في الكشف عن الأدلة الجنائية في سلسلة الجرائم الإرهابية وعمليات الإغتيال، فتم تفجير وقتل اللواء الركن فرانسوا الحاج أبرز الضباط اللبنانيين في قيادة معركة نهر البارد، ومحاولة اغتيال العقيد سمير شحادة، واغتيال المقدم وسام عيد، ثم اغتيال اللواء وسام الحسن، الذي استطاع الكشف عن المتورطين بعملية عين علق الإرهابية، بل الكشف عن أكثر من ثلاثين شبكة تجسس إسرائيلية، إضافة إلى مساهماته البارزة في إحباط مخططات تخريب واغتيالات عديدة، أشدها وقعاً وهولاً مخطط ميشال سماحة.
بموازاة ذلك كله، توزع القتل الغامض والمشبوه على بعض الشخصيات المخابراتية والأمنية رفيعة المستوى، هي من أركان حرب حزب الله والنظام السوري والتي تُوجه إليها أصابع الاتهام في كل الأعمال الإرهابية التي تنظر فيها المحكمة الدولية، فقتل عماد مغنية، رأس أمن الحزب وقائده العسكري الأول، كما انتُحر اللواء غازي كنعان، وأصابت رصاصة قاتلة العميد محمد سليمان، المستشار الأمني لبشار الأسد، وصلة الوصل بين النظام السوري والحرس الثوري الإيراني والجناح العسكري لـحزب الله، ثم تفجير ما كان يسمى بـخلية الأزمة الذي أودى بحياة كل من داوود راجحة وآصف شوكت وهشام بختيار وحسن تركماني. وهؤلاء جميعاً من أعمدة سياسات القتل والقمع والتعذيب والتخطيط والتآمر التي يبرع بها محور الشر هذا.
وكانت الثورة السورية امتحاناً عصيباً لمنظومة الشر والقتل والإرهاب، وفيه أيضاً امتُحن حزب الله، فاندفع مجدداً، مبدداً الأوهام، نحو تأصيل لحمته العضوية في هذا الحلف، ولكن هذه المرة كان يعلم، ويعرف أنه يوسع عداءه العميق ليس لمعنى لبنان ولإرادة مواطنيه، بل يطال الشعب السوري وحقه في العدالة والحرية، مبدياً حماسة مصيرية في الشراكة بتدمير سوريا على رؤوس السوريين، تماماً كما تواطأ على تدمير لبنان على رأس رفيق الحريري ومواطنيه.
عشر سنوات مضت وهذا الحزب الدموي، يتهم خصومه بالعمالة لإسرائيل، بل بالتآمر مع التكفيريين الذين يتهمهم بزرع العبوات وافتعال الفتن، فإذا به لا يقبض على عميل مفترض واحد من صفوف 14 آذار، فيما خلاياه هي المتهمة بقتل وسام الحسن، الرجل الذي نظف لبنان من عشرات العملاء الفعليين. والأفدح هو التواطؤ والسكوت على المهزلة القضائية بقضية عميد العملاء للموساد المدعو فايز كرم، قبل فضيحة ميشال سماحة. عشر سنوات وحسن نصرالله يضع ميشال سماحة في مقدّم ضيوف خطبه الهوجاء، ويستضيفه في تلفزيونه الأصفر، في الوقت نفسه الذي كان فيه سماحة، كما بات معروفاً (صوتاً وصورة)، يخطط ويحضر (بشراكة وعلم بشار الأسد وعلي مملوك) لمؤامرة إرهابية كبيرة تستهدف على الأقل، تخريب شمال لبنان، إن لم تكن مسببة بإشعال فتنة شاملة في البلاد...
هذه المرة أنت تعلم، ولا فرق. هذه المرة نحن نعلم ويقيناً أن زمن الإفلات من العقاب سينتهي.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.