أظن أن مدينة بيروت هي أكثر المدن التي تستهلك أماكنها، تبتكرها وتستنفدها. مدينة تأكل اقتراحاتها العمرانية، تشيدها وتصخب بها ثم تقتلها. ويحدث أحياناً أن تبعثها مجدداً، لكن سرعان ما تدفنها. مدينة تبني وتهندس فضاءات جديدة، ثم تطيح بها هجراناً أو نسياناً في كل مرة. وإذا كان هذا يحدث في مدن أخرى بوتيرة بطيئة، قد تستلزم عقوداً عديدة، فهي تحدث في بيروت خلال سنوات قليلة. ولادة الأمكنة، لا بالمعنى الجغرافي لكن في أدوارها ووظائفها وصورتها وديناميكيات العيش فيها ومظاهر الحياة المدينية بها، هي عادة ما تكون ولادة باهرة، مفعمة بالجديد والإغراء والتحديث، فتبدو بيروت معها كأنها مدينة تتوسع، تضيف فضاء جديداً إلى فضاءاتها المتعددة.
من الصعب ملاحقة مصائر أمكنة بيروت والتنبؤ بمستقبلها، فما نراه اليوم هنا أو هناك ازدهاراً أو عمراناً بشرياً يوحي بالجدة والقوة والرسوخ، قد يتحول بزمن قصير إلى أرض ساكنة ونائمة، بل وقد تصاب بـالعتق في زمن قياسي.
ما يصيب اليوم الوسط التاريخي ـ الجديد لقلب العاصمة، هو مثال ساطع على السرعة الفائقة لدورة الحياة والموت التي تخضع لها أمكنة المدينة. فالوسط، الذي وُضع حجر الأساس لإعادة بنائه في العام 1992، والذي أنجز خلال سنوات قليلة، وبدا كجوهرة عمرانية باذخة ومغرية، بوصفه نموذجاً لنمط عيش يتناسب مع أحلام اللبنانيين، ويعكس الصورة التي يتخيلها اللبنانيون لعاصمتهم، ولحياتهم فيها، إلا أن عمر ازدهاره استثماراً وسياحة واقتصاداً وفضاء عاماً جاذباً ومكاناً يحلو فيه التجول والاختلاط والعمل والتسلية والتواصل، لم يدم سوى لفترة سنوات قليلة. يمكن القول ان هذا الوسط عاش فقط ما بين العام 2000 و2006. بعد سنواته الست تحول إلى جزيرة خلاء.
صحيح أن أسباباً سياسية وأمنية (وحربية) ومن ثم اقتصادية، كانت وراء هذا الموت السريري، الذي فاقمته عزلة لبنان عن العالم (هذه العزلة التي لا يلحظها مواطنوه)، لكن أيضاً كان لغموض وظائف هذا الوسط وأدواره في حياة العاصمة، بوصفه مشروعاً للمستقبل، هو مستقبل محدد المواصفات وليس بقدرة أحد تأكيده أو تحقيقه، إلى حد انه بات مستقبلاً افتراضياً، أو مؤجلاً على الدوام.
لم يأت ذاك المستقبل الموائم لمشروع وسط بيروت، فوقع في الغيبوبة.
نذكر مثلاً تلك المبادرات، التي جعلت شارع المعرض وساحة النجمة في ذاك الوسط قبلة الترفيه والسياحة، وتزجية الوقت مع بدايات المساء ونهارات العطلة الأسبوعية. ها هو اليوم فارغ وعبارة عن مربع أمني لا يدخله أحد، مسيج بالصمت والغياب.
قبل اكتمال الوسط، في التسعينات، كان شارع مونو قبلة الخارجين ليلاً من بيوتهم. وها هو اليوم بالكاد يحتضن أمكنة لاستقبال الساهرين والمتسكعين، فيما كان العبور فيه كمن يخترق تظاهرة حاشدة. تم تعليل انطفاء مونو بازدهار الشارع الذي يجاوره غرباً، نزولاً عنه مئات الأمتار، أي حي الجميزة، الذي تحول إلى فضاء الجذب الذي لا يُقاوم للشباب والسياح. لكن بعد سنوات قليلة، سيطر الهدوء عليه، ودخل في مرحلة الركود تقريباً، بعد أن انبثق فجأة شارع مار مخايل بوصفه هو الاقتراح الجديد كفضاء ليلي للخروج والسهر والتلاقي. وبالتزامن مع سطوع نجم مار مخايل، تجدد شارع الحمراء، الذي كان قد قارب الانحطاط، مع منتصف العام 2008، فتحول إلى شارع مزدحم بالمرافق السياحية النهارية والليلية وعاد إليه وهج مقاهي الرصيف وحياته المتنوعة، وليله الساطع الأضواء ليمتلئ صخباً وضجيجاً وبشراً. بل وبات مثلاً الحضن الأوسع للآتين إلى بيروت من الخارج، خصوصاً منهم الأنتلجنسيا السورية.
انتعشت أمكنة وانطفأت أخرى بسرعات قياسية، من فردان إلى الأشرفية، وصولاً إلى شارع الأوروغواي، الذي بات الشارع الوحيد في وسط بيروت الذي يبث علامات الحياة هناك.
تشهد بيروت اليوم، انبعاث شارع بدارو. الذي كان في السبعينات يتميز بأنه العلامة الأبرز على التوسع العمراني المديني الراقي للعاصمة. كان يجمع في تلك الحقبة ميزات الفخامة والحداثة وشروط الحي السكني اللائق بطبقة وسطى مرفهة، ومتوسعة كشريحة كبيرة في المجتمع اللبناني، وبالأخص بين سكان بيروت الكوزموبوليتية.
حافظ بدارو على هدوئه وسكينته واتساق عمرانه ومستوى سكانه الطبقي، لم يطله تغيير ديموغرافي صادم، ولا عرف تدميراً كما حدث في جواره القريب. فبدا، بعد انتهاء الحرب، كما لو أنه كبسولة عمرانية ـ بشرية نموذجية، تتماهى مع صورة بيروت التي صقلناها في مخيلة الحنين لأزمان الحقبة الذهبية. وربما بسبب هذه المواصفات، يتحول اليوم إلى مشروع سياحتنا نحن، إلى مقصد جديد وفضاء نلجأ إليه كي نعيش فيه حياتنا المدينية، التي نبتكرها وفق ما نظنه لائقاً بنا وبمسراتنا اليومية. بدارو الآن هو العنوان الجديد، ولا نعرف متى ستصيبه بغتة الشيخوخة، كما أصابت الأمكنة الأخرى.
يمكن القول ان كل الأمكنة التي نحييها ونميتها ونبتكرها ونصطنعها ثم نضجر منها، هي بالأحرى مشروع (مستحيل؟) لإعادة بناء مدينة وحياة مدينة ماتت عام 1975. فنحن دوماً نختار من بيروت تلك الشوارع أو الأحياء التراثية (مونو، جميزة، مار مخايل، الوسط التجاري..)، أي التي تساعدنا على إعادة إنتاج صورة الماضي الذي انصرم بقسوة وعنف هائلين.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.