في المشهد الافتتاحي لرواية شارل شهوان حرب شوارع (1991)، نقرأ بافتتان وصفاً بارعاً للعبة كرة القدم. كان ذلك بالنسبة إليّ بمثابة اكتشاف، أن أجد في الأدب صلة حميمة بهذه اللعبة، إذ لطالما كان يؤرقني ظني بأن شغفي بكرة القدم لا يتناسب وانشغالي بالأدب والكتابة. فتحت وطأة الانطباع السائد أن الثقافة والمثقفين أبعد ما يكونان عن غوغائية مشجعي كرة القدم، وأن رفعة الكاتب والكتابة لا يجب أن تدنس بلهو مجاني وشعبوي كهذا.. تحت وطأة هذا الانطباع، كنت أقع في حرج عدم المشاركة بمناسبات أدبية كي أتمتع بمشاهدة مباراة، أو أروح في المقهى، بين جمع من شعراء وروائيين وفنانين، أتحدث عن روعة هذه المباراة أو تلك. كأن كرة القدم تفضح شيئاً راسباً فيّ ما قبل دخولي عالم الأدب، لطخة لم أنجح بالتخلص منها تدل على سيرتي الأولى، فتى شوارع ولعب حارات وزواريب وتهويمات طفولية ساذجة، ومشاكسات وعنف صبياني..
افتتاني بالمشهد الكروي في حرب شوارع، ستتفوق عليه روعة قراءة كتاب إدواردو غاليانو كرة القدم بين الشمس والظل (الطبعة العربية الأولى 2011)، وقد ترجمه صالح علماني، الذي لولا ترجماته على امتداد أكثر من ثلاثة عقود لكانت صلتنا بالآداب المكتوبة باللغة الإسبانية واهنة.
في 13 نيسان الحالي توفي غاليانو، بعد ساعات من وفاة الروائي الألماني الشهير غونتر غراس. لم أهرع إلى المكتبة لإعادة قراءة طبل الصفيح لغراس، بل إلى ذاك الكتاب الأخاذ لغاليانو، الذي لطالما كان ينتزع مني الضحكة والدمعة، الغبطة والنشوة ويشعرني أن البساطة الحاذقة هي سر الأدب كله، بساطة نابعة من روح طفولية لا تزال تلعب في الحواري وتشاكس وتتمرغ بالغبار والعرق وتركض تحت الشمس الحارقة وتتبلل بالمطر. كتابة بحب وورع.
جعل غاليانو من كرة القدم محور العالم، الظاهرة التي تلتقي فيها عوالم السياسة والفن والتعبيرات الاجتماعية ومسرح الأهواء والشعر والغرائز والمسرات، كما لو أنها محرك العالم. يكتب إدواردو غاليانو عن حدث مونديال 1950: ميلاد التلفزيون الملون، والحاسبات تحقق ألف عملية جمع في الثانية. مارلين مونرو تطل من هوليوود. فيلم للويس بونويل المنسيون يفرض نفسه في مهرجان كان. نيرودا ينشر النشيد الشامل، وتظهر الطبعة الأولى من رواية الحياة القصيرة لأونيتي، ومن متاهة العزلة لأوكتافيو باث. ألبيزو كامبوس الذي طالما ناضل من أجل استقلال بورتوريكو، يحكم عليه في الولايات المتحدة بالسجن تسعة وسبعين عاماً. واشٍ يسلّم سلفاتوري جوليانو، رجل العصابات الأسطوري في جنوبي إيطاليا، فيخر صريعاً برصاص الشرطة. وفي الصين تبدأ حكومة ماو أولى خطواتها بمنع تعدد الزوجات وبيع الأطفال. القوات الأميركية تتدخل بالدم والنار في شبه الجزيرة الكورية، متشحة براية الأمم المتحدة، بينما لاعبو كرة القدم يهبطون في ريو دي جنيرو للتنافس على كأس العالم بعد توقف طويل خلال سنوات الحرب العالمية.
يدلنا هذا المقطع على حراك العالم وصراعاته وحوادثه، متوجة بمعنى مفارق هو حدث اللعب. بهذه الروحية المغمسة بوعي سياسي حاد، وذائقة فنية رفيعة، وصلة عميقة بالأدب، وانحياز أخلاقي يساري المنبت والنزعة، يكتب غاليانو عن كرة القدم ولاعبيها كما لم يُكتب من قبل. بل إنه يجعل من هذه اللعبة العلامة الأبرز التي تجمع العالم وتوحده، وتجعله مجتمعاً بشرياً موحداً.
الأهم، أن هذا الروائي الأوروغواياني، أنجز أمراً لم يقدم عليه الكتّاب، أن تكون كرة القدم موضوع كتابة أدبية، أن يخصص كتاباً كاملاً عنها، هو أشبه بأنطولوجيا روائية، عن تراجيديا هذه اللعبة وناسها وملاعبها وسحرها ومتعتها الشاملة.
في مطلع التسعينات، تسنى لنا أن نقرأ مقتطفات مترجمة من كتابه. وبالتزامن مع هذه القراءة، تخلينا عن خجلنا الثقافي من صلتنا بكرة القدم، ورحنا نبوح في نصوص ومقالات بشغفنا المتأصل في مشاهدة المباريات، في التشجيع، في الإعجاب بهذا اللاعب أو ذاك. بل صرنا أكثر انتباهاً للمفعول السياسي الذي تحدثه مدرجات الملاعب، والتعبيرات الاجتماعية المتأزمة التي تصدر عن جموع المشجعين، وللقوة الحسية الملهمة للمخيلة الكتابية، ولدراما الانتصار والهزيمة. منذ تلك الحقبة بتنا نحتفل بالمواعيد الكروية الكبرى بوصفها مناسبة ثقافية أيضاً. هنا، في بيروت، رسا تقليد موسمي في الملاحق الثقافية للصحف، إذ تنشر بمناسبة المونديال مثلاً، ملفاً أدبياً حوله. صرنا نحتفي بوجود شعراء يلعبون كرة القدم مثل فوزي يمّين، ومشجعين أشاوس مثل الكاتب والباحث زياد ماجد الذي كتب منذ أيام، على الفايسبوك (نقتطف): الكاتب الأوروغواياني إدواردو غاليانو، الذي تعرّفت إليه أوائل التسعينات حين قرأت كتابه شرايين أميركا اللاتينية المفتوحة، أدهشني العام 1999، إذ قرأت تُحفته كرة القدم في الشمس والظل. أخذت عنوانه يومها من دار نشر الطبعة الفرنسية وكتبت له تعليقاً طويلاً حول الكتاب(...) ذكرت له نتفاً من أخبار جمهور نادي النجمة، منها كيف أكّد لي جاري الذي لا أعرفه في إحدى المباريات، وهو يعانقني بحرارة وكأننا أعزّ الأصدقاء، أن الله موجود بعد أن صدّ حارس مرمانا ضربة جزاء، اعتبر الجار أن تأكيد وجود الله وقفٌ على مسارها. ومنها أيضاً كيف أخبرني جارٌ آخر في مباراة ثانية، وكان يملك مولّد كهرباء في حيّه يشترك فيه بعض السكان، أنه قطع الاشتراك عن منزل أحدهم وأعاد له بدل الاشتراك، وقال إنه لن يقبل بمدّه بالكهرباء بعد اليوم ولو دفع كنوز الأرض، لأنه كان حكم الراية في إحدى مباريات النجمة وزوّر حالات تسلّل ضد المهاجمين حرمتنا من أهداف. وإذ ترجّاه الحكم المذكور مشيراً الى أبنائه وحاجتهم للدرس على ضوء مقبول، ردّ الجار النجماوي أن أولاده لا يدرسون من قهرهم ودموعهم على الأهداف الملغاة لفريقهم بسبب رايته!
المهمّ أن غاليانو أجابني بعد أشهر وقال ممازحاً إنه يدعوني للتشارك في كتابة جزء ثان للكتاب. إحتفظت برسالته لسنوات، وقرأت كتابه مرّات، وضحكت كلّ مرة من وصفه لمواقف يستطيع تخيّلها جيّداً من قضى عُمراً في المدرّجات والملاعب وأمام الشاشات؛ ثم أضعت الرسالة عند تبديل الكمبيوتر، وأظنّها ما زالت على قرص ديسكت بين مئات الأقراص القديمة وغير الصالحة التي لا أعرف فعلياً ماذا سأفعل بها يوماً...
الرحمة والسلام لك، إدواردو غاليانو، الذي رحل البارحة عن 74 عاماً (قضى عقداً كاملاً منها في السجن ثم المنفى إبان الحكم الدكتاتوري في مونتيفيديو..).
كتاب غاليانو عن كرة القدم سيظل مثالاً ساطعاً عن قوة الأدب في تغيير المنظور السياسي والأخلاقي والثقافي للعالم. وسنظل ممتنين له، مرددين معه في الملاعب أو عبر الشاشة: لعبة جميلة حباً بالرب.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.