غداً تحل الذكرى الأربعون على البداية الرسمية للحروب اللبنانية، التي من المفترض أنها وضعت أوزارها في تشرين الأول 1990، أي بعد انقضاء 15 عاماً ونصف العام على اندلاعها. ومن المفترض أن وثيقة الوفاق الوطني، المعروفة بـاتفاق الطائف (آب 1989)، كان يجب اعتبارها بمثابة إعلان مبرم بحلول السلم الأهلي ونهاية الصراعات المسلحة. كما أن قبول الأطراف المتحاربة بمقتضيات تلك الوثيقة، كان يفترض على الأقل، حل جميع الميليشيات، وانتفاء أسباب تمرد أي جماعة أو طائفة أو حزب سياسي، على الدولة ودستورها وقوانينها، وانضواءها في كنف نظام سياسي ديموقراطي، يلحظ علاوة على ديموقراطيته محاصصة عادلة ومنصفة للطوائف، تنتفي معه أسباب مشاعر التهميش والغبن والإحباط والخوف والمظلومية لدى هذه الطائفة أو تلك، كما يلحظ هذا النظام السياسي (دستورياً) شروط الحريات العامة والفردية، ويثبت في الوقت نفسه النظام الإقتصادي الحر، أي نظام السوق الرأسمالي العريق في لبنان، وفق مواصفاته الكومبرادورية ـ الطوائفية.
مع ذلك، لم ينجز اللبنانيون سلامهم الدائم، ولم ينجحوا في تطبيق مقتضيات وفاقهم الوطني ولا بنود اتفاقهم التاريخي، فانتهت الحرب العامة من دون الخروج فعلياً من مناخاتها ولغتها وسياساتها وخنادقها، على ما تظهره سيرة هذا الوطن الصغير ما بين 1990 و2015، من حوادث كبرى وانقسامات حادة وحروب موضعية، متنقلة ومتواترة. فعدا توريط لبنان في حروب مع إسرائيل (1993، 1996، 2000، 2006)، من الصعب حصر الحوادث الخطيرة التي هددت السلم الأهلي ابتداء من عصيان جرود الضنية عام 2000، إلى اغتيال رفيق الحريري عام 2005، وتداعياته العنيفة المتطاولة حتى اليوم، مروراً بحرب مخيم نهر البارد في صيف 2007، ثم معارك طرابلس وجولاتها الكثيرة، وحركة الشيخ أحمد الأسير، من دون أن ننسى الغزوة الأخطر التي كادت أن تفجر حرباً طائفية مذهبية في 7 أيار 2008. وفي طيات تلك التواريخ أيضاً، مسلسل الإغتيالات السياسية والعمليات الإرهابية والخطف والتفجيرات التي شهدها لبنان في مناطق مختلفة في السنوات الماضية.
وإذا كان السبب الرئيسي لانفجار الحرب، إخلال السلاح الفلسطيني بالتوازن اللبناني الهش، وتحوله استقواءً على الدولة وعلى المسيحيين خصوصاً، ومن ثم تطور المنازعة السياسية والمطلبية بين المسلمين والمسيحيين إلى طور العنف والقوة والإحتراب، بحماسة قتالية واستسهال من قبل الجميع للإحتكام إلى السلاح والقتل، يبدو الآن أيضاً أن السبب الرئيسي لاستعصاء السلم الناجز منذ العام 1990 هو إخلال السلاح الشيعي بمعادلة اتفاق الطائف وتوازناته. إذ رغم انتفاء مبررات استمرار المقاومة كجسم عسكري ـ أمني وسياسي خارج الدولة، بقي سلاحها كامتياز حربي تستقوي به الشيعية السياسية على الجماعات الأخرى، وتناديها في كل مناسبة إلى التحدي والمنازلة، تهديداً وتلويحاً باستئناف الحرب أو اصطناعها.
وكما أن السلاح الفلسطيني منذ العام 1969، كان استدخالاً عنيفاً وفظاً للنزاعات الإقليمية في المعادلة اللبنانية، فأطاح بها وأخذ البلد إلى حروب متناسلة وعبثية ومدمرة، فإن السلاح الشيعي، أناط بنفسه إجهاض انتفاضة الإستقلال الوطنية، من ناحية، وتمديد مفاعيل وصاية النظام السوري وهيمنته على السياسة والأمن،من ناحية ثانية. وهاهو اليوم يكشف عن دور جديد له أشد خطورة وأكثر دموية وفتكاً، هو توريط قسري ومتعمد للبنان بحروب حلف الممانعة على المنطقة وشعوبها، واستدخال شرس للتمدد الإيراني في المشرق العربي، عدا إطاحته بالرابطة الوطنية وبمرجعية الدولة واستباحته للحدود الجغرافية ودخوله في حرب شاملة متورطاً في المذبحة التي يشنها النظامان السوري والإيراني على الشعب السوري. وهذا ما سيرتب حتماً أثماناً باهظة على مستقبل لبنان وسوريا، وبالأخص مستقبل الوجود الشيعي في البلدين.
صحيح أن لبنان أنجز حربه الأهلية ـ الإقليمية في السبعينات والثمانينات، بينما هذا النوع من الحروب يندلع متأخراً في العراق وسوريا واليمن وليبيا (وجزئياً في سيناء مصر) وعبر في الجزائر والصحراء المغربية من دون انطفاء تام، وهو مستمر منذ عقود في السودان والصومال، إلا أن الأربعين عاماً المنصرمة على ابتداء الحروب اللبنانية ـ العربية لم تستنفد بعد أسباب تجددها، ولم تنتف بعد ظروف استئنافها. والأصح القول، إن نمطاً جديداً من الحروب قوامه الإنفلات من كل رابطة وطنية، والانقلاب على كل تاريخ الدولة الحديثة والنكوص إلى همجيّة ما قبل السياسة والإجتماع.
وإذا كانت الجماعات اللبنانية متخوفة من حرب كهذه وتحاول تجنبها وتبدي حذراً شديداً من الإنزلاق إليها، ما يدل على انتباه حقيقي لتجربة الماضي، وهي متمنعة عن التسلح أو الإنجراف نحو العنف حتى الآن، وبالتالي غياب إرادة القتال. إلا أن نموذج 7 أيار 2008 الذي نفذته الميليشيات الشيعية على نطاق واسع وشامل في اليمن، لا يشترط لاندلاع الحرب وجود طرفين مسلحين أو أكثر، وهو يستدعي في هذه الحال حرب الخارج أيضاً، أكان هذا الخارج إقليمياً كما في اليمن، أو دولياً كما في العراق. وهذا ما يلوّح به حزب الله بوجه اللبنانيين، على شاكلة 7 أيار موسعة، أو تموز 2006 شاملة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.