8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

سقوط العواصم العربية بيد الحرس الثوري الإيراني

في آذار العام 2010، جرت الإنتخابات العراقية بمشاركة كثيفة من المقترعين، وأسفرت نتائجها عن فوز القائمة العراقية التي قادها أياد علاوي، وهي تضم ائتلافاً لتيارات يسارية وعلمانية وقومية واسلامية معتدلة. وكان التصويت في بغداد نفسها لمصلحة القائمة تحديداً. بدا أن العملية السياسية والمسار الديموقراطي، هما خيار الأغلبية الساحقة من الشعب العراقي، التواق للسلم والتنمية واستعادة الدولة وتحقيق المصالحة الوطنية. بل إن نجاح تلك الانتخابات كان مؤشراً على انتهاء مبررات الوجود العسكري الأميركي، وبالتالي يسهل أو يسرّع قرار الانسحاب من العراق.
لكن، وبدلاً من ترجمة نتائج تلك الانتخابات في إنتاج سلطة جديدة، فإن ما حدث كان مغايراً. فتحت التهديد بإشعال حرب أهلية طائفية مجدداً، وعلى وقع تجدد التفجيرات والسيارات المفخخة والتمرد الميليشياوي، فرضت إيران وحلفاؤها المحليون انقلاباً أدى إلى تنصيب نوري المالكي وحزبه الدعوة على رأس سلطة متشددة مذهبياً وموالية لسياسات الحرس الثوري الإيراني. النتيجة كما بات يعرفها الجميع، أن انهار العراق أمنياً وسياسياً واقتصادياً، وتقهقر إلى أسوأ ممّا كان عليه قبل العام 2007، وتفاقم فيه الفساد إلى مستويات غير مسبوقة.. وصولاً إلى دولة داعش.
على نحو مشابه، جرت في لبنان الإنتخابات النيابية مرتين، 2005 و2009. وأسفرت نتائجها في كل مرة عن فوز قوى 14 آذار الإستقلالية والمدنية والليبرالية التوجه والسياسة. وكانت تلك النتائج المتكررة في مختلف العمليات الإنتخابية، أكانت برلمانية أو نقابية أو طلابية، تعبيراً حاسماً عن إرادة غالبية اللبنانيين في تمكين الدولة المدنية وفي تكريس النظام الديموقراطي وفي تعميق الوفاق الوطني والسلم الأهلي، كما في احترام التعددية والتنوع وصون مبدأ المناصفة والعدالة بين المجموعات الأهلية والدينية.
لكن أيضاً، وكما حدث في العراق، مُنع ائتلاف 14 آذار من ترجمة فوزه الإنتخابي بإنتاج سلطة تعبر عن خيارات المواطنين، إذ فرض حزب الله الإيراني التمويل والتسليح والسياسة والأيديولوجيا، وتحت التهديد بالفتنة والحرب واستعمال القوة، تشكيل حكومات وفق ترسيمته وشروطه، إلى أن عطل بقوة السلاح البرلمان وحاصر مقر الحكومة لسنتين تقريباً، واحتل وسط بيروت.. ثم توّج أفعاله بغزو مسلح للعاصمة ومناطق أخرى في ربيع 2008. وكرر فرض شروطه وهيمنته على الحياة العامة وعلى الدولة بعد العام 2009، ملوّحاً في كل مرة بإشعال حرب أهلية جديدة، عدا توريط لبنان في حرب مدمرة عام 2006، فأسقط حكومة الرئيس سعد الحريري، وعطل تشكيل حكومة جديدة لأشهر عدة. وكرر فعلته ما بين 2013 ومطلع 2014، إذ بقي لبنان بلا حكومة 11 شهراً. وهو الآن بلا رئيس جمهورية منذ 310 أيام، للسبب عينه.
النفوذ الإيراني بأذرعه المحلية المدججة بالسلاح والمال، وبخبرات القتل والتفجير والاغتيال وشن حروب عصابات، في لبنان والعراق وفلسطين (حين كانت حماس في فلك الممانعة وخطيئة انقلابها الدموي على السلطة الوطنية في غزة)، سيكشف عن وجهه الأكثر قبحاً هناك في سوريا، عندما انتفض السوريون سلمياً ضد سلطة الطغيان، فاعتبر نظام الملالي سوريا جزءاً من مقاطعاته، فأرسل الأموال والسلاح وأقام جسراً جوياً وبرياً لإمداد عصابة بشار الأسد بالمرتزقة الأفغان والعراقيين واللبنانيين، بعدما تحولت الثورة السورية إلى حرب إبادة يشنها جيش النظام المدعوم من ألوية حزب الله وأبي الفضل العباس وعصائب أهل الحق (ومجموعات أخرى، حوالى 15 تشكيلاً عسكرياً) بقيادة ضباط من الحرس الثوري الإيراني وعلى رأسهم الجنرال قاسم سليماني.
هكذا، بعد الهيمنة على بغداد وبيروت وغزة وخراب تلك البلاد، سياسة أو اقتصاداً أو عمراناً، حال النفوذ الإيراني وميليشياته دون خلاص سوريا، ففرض الموت والقتل والبراميل المتفجرة وأمسك بمصير السلطة فيها. كانت تلك العاصمة العربية، الثالثة التي تسقط بيد الخمينية.
كل ما حدث في اليمن، مع بروز الحوثيين في منتصف التسعينات الذي يذكرنا كثيراً ببروز حزب الله بعد العام 1982، هو السياسة الإيرانية عينها: تأسيس ميليشيا مسلحة، معتصبة بالتشدد الديني، ترفع شعار المظلومية وتخرج على الدولة بالقوة والفتنة المذهبية والإحتراب الأهلي. وكل ما حدث منذ أربع سنوات حتى اليوم، هو تحالف شرير نشأ بين ديكتاتورية عسكريتارية خسرت سلطتها وشرعيتها بثورة شعبية سلمية (عائلة علي عبدالله صالح: على نمط عائلة الأسد أو عائلة صدام حسين..إلخ) وميليشيا انصار الله الحوثية المدججة بالسلاح الإيراني. انتقل الحوثيون من تكتيك حزب الله الذي استخدمه في لبنان ما بين 2005 و2014، إلى تكتيك حزب الدعوة العراقي بين 2010 و2013، ثم تحول إلى التكتيك السوري: الحرب الشاملة. هكذا سقطت العاصمة العربية الرابعة، صنعاء، بيد إيران.
اليوم، مع انطلاق الحملة العسكرية العربية لـتحرير اليمن، يبدأ أول رد فعل عربي جدي على فداحة ما اقترفته إيران في الشرق الأوسط الكبير. لكنه ليس الرد الكافي إن لم يكن متلازماً مع الإستجابة الحقيقية لإرادة الشعوب والمجتمعات العربية بالتحرر من سلطات الفساد والقمع والديكتاتورية والسير في مسار الديموقراطية والعدالة الإجتماعية. تلك الإرادة التي عبر عنها العراقيون باندفاعهم العنيد لممارسة حقهم بالإقتراع رغم مئات السيارات المفخخة، وعبر عنها السوريون بصبرهم 11 شهراً وهم يتظاهرون سلمياً تحت وابل الرصاص وجنازير الدبابات، وعبر عنها اللبنانيون في أول انتفاضة سلمية عربية عام 2005، وعبر عنها اليمنيون بثورة مدنية سلمية استمرت حوالى سنة حتى أسقطوا الطاغية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00