في اللحظة التي باتت فيها بيروت مدينة طاردة للسوريين، بقرار رسمي على ما يبدو، هو أشبه باتفاق أهلي ضمني، قوامه منع الأزمة السورية من التسبب بالانفجار داخل لبنان.. في هذه اللحظة الضاغطة على السوريين، اللاجئين منهم أو الزائرين، إلى حد المهانة، منح مهرجان أيام بيروت السينمائية (12 21 آذار 2015) مساحة عرض رحبة وكريمة لمجموعة من الأفلام السورية، التي تُعتبر اليوم الأفضل والأبرز تعبيراً عن مجريات السنوات الأربع المنصرمة، بل هي إنجازات مضيئة في الفن السينمائي السوري، بوصفها سينما الكاميرا الحرة، إن جاز التعبير. هي التي أُنتجت في أثناء الثورة والحرب وعنهما ومن رحمهما. هي أفلام ما بعد سوريا الأسد بالمعنيَين التاريخي والسياسي. وحضورها اليوم في برنامج المهرجان هو الذي أضاف قوة ورصانة إليه، ومنحه هذا الطابع الواقعي، المفعم بروح تعبيرية سياسية. بمعنى آخر، اكتسب أيام بيروت السينمائية مع الأفلام السورية قدرة الإدعاء بتمثيل كاميرا الآن وهنا، علاوة على كونه فرصة نادرة لعرض تجارب سينمائية شابة، تجريبية وغير قابلة للرواج الجماهيري.
واجتماع الأفلام السورية هذه، الوثائقية منها والروائية، بتواقيع مخرجين مخضرمين وجدد، هو أيضاً مناسبة نادرة لرؤية بانوراما السينما السورية وحساسياتها ووجهتها العامة، إذ نحن إزاء أنطولوجيا مصغرة لسينما كانت سمتها دوماً الإعتراض بلا ضجيج، موارب وعنيد في آن، وتميزها بخبث كاميرتها وسخريتها المكتومة ونهمها البصري وجمالياتها المتقشفة ونزوعها الأدبي والتصاقها بما هو محلي ونكهتها المرة والمتشائمة.
استضاف المهرجان أفلام سلّم إلى دمشق لمحمد ملص، الذي أنجزه بروح مسابقة الزمن قبل الفوات لتصوير قصة حب دمشقية على إيقاع بدايات الثورة والخوف من المجهول. أسامة محمد شريكاً لوئام سيماف باديركسن في ماء الفضة، فيلم من نتاج زمن فيديوات الهاتف المحمول واليوتيوب وعيون الناشطين والمواطنين- الصحافيين، في مشروع يلتصق بالألم السوري بلا مساحة أو فاصل، سيرة الرعب في شريط حيّ لكاميرات مجهولة. ورغم فلسطينية رشيد مشهراوي، أو بسببها، فلا يمكن تصنيف رسائل من اليرموك إلا ضمن أفلام سوريا، فيها وعنها، بلغة وثائقية محبوكة بذكاء، حيث الحكايات المتعددة تتداخل لتروي فصول مأساة سكان مخيم اليرموك، واللاجئين منه.
للمرة الثانية نشاهد قصداً الرقيب الخالد للمخرج الشاب زياد كلثوم. شريط متعدد الزوايا، متشابك الحكايات، ركيزته وقوف أنا المخرج عند تقاطعات مصيرية لشخصه وبلده. لكن، على مستوى أعمق، هو فيلم وقوف السينما السورية نفسها بمواجهة سؤال جدواها، ماضيها ومستقبلها.
فهو سينمائي ومجند لم يسرّح من الخدمة في الوقت ذاته، يخدم عسكريته في سينما باسل الأسد داخل مجمع للجيش، لم تعرض أي فيلم منذ 15 عاماً (مفارقة دالة: السينما التي يقترحها النظام هي العتمة فقط، موت الكاميرا، خراب آلة العرض، تعفن الشاشة؟!). جندي يستيقظ ويقلي البيض، محاطاً كيفما اتجه بصور عائلة الأسد، فيما الدبابة الرابضة بالقرب منه تقصف ضواحي العاصمة. وبسبب طبيعة وظيفته في الإعلام الحربي، يستطيع أن يخلع بزته العسكرية يومياً ليعود إلى حياته الطبيعية، حاملاً كاميرته الصغيرة، وكاميرا الهاتف المحمول، مصوراً في طريقه سماء الغارات وطائرات النظام التي تنقض على أطراف دمشق. ويومياً يصور على طريقة الـ Making-of فيلم محمد ملص سلم إلى دمشق، لكن مستنطقاً العاملين فيه، لا عن عملهم إنما عمّا يحدث حولهم (مفارقة أخرى: ما معنى أن نصور قصة حب في أحياء دمشق الآن، حيث ضجيج الهليكوبتر العسكرية تحرم ملص من نقاء الصوت؟ تلميح إلى أفول تاريخ سينمائي؟)، وفي طيات السرد، التفاتة بارعة إلى موت صالات السينما في المدينة وانحطاطها، فيما المدمنون عليها باتوا شبه معتوهين ومشردين (مفارقة إضافية: انحطاط أسباب المدينة وعلاماتها العمرانية بشراً ومؤسسات). ينتهي الرقيب الخالد بإعلان مخرجه انشقاقه عن الجيش والتزامه الكاميرا سلاحاً. شريط زياد كلثوم (المنفي الآن) هو ولادة مخرج من طراز خاص.
من دون أي تردد، يمكن القول ان فيلم العودة إلى حمص لطلال ديركي (87 دقيقة) هو الأفدح تأثيراً. صدمة كاملة. مدهش حتى البكاء والشهقة. عنيف وقاس وفائض بحساسيته. قد يكون الصورة الأروع والأكمل للمأساة السورية. لا مهرب من وصفه بـالملحمة السينمائية الساحرة والطاعنة بالروح والعين. شريط غير قابل للنسيان. سينما بلا سينما، بلا أي حيلة تصويرية تقريباً. لا مسافة على الإطلاق بين الكاميرا والواقع إلى حد يصعب تصديقه. فيلم هو خلاصة ثلاث سنوات من التصوير اليومي المتواصل، كأن كاميرا شبحية أو ميتافيزيقية تعمل بلا توقف مبتلعة كل زمنها. الحدث بأكمله هنا بلا كادر وبلا انتقاء. يبدأ من ذروة ويظل في كل ثانية منه بالذروة، حتى النهاية.
فيلم البدايات والنهايات مع حمص عاصمة الثورة، والشاب عبد الباسط الساروت، حارس المرمى فالناشط الرمز، صانع أهازيج وأغنيات التظاهرات السلمية، فالمتحول إلى مقاتل ملهم فائق الشجاعة، الحزين والجريح.. سيرة التحولات التي عصفت بسوريا عبر كاميرا حربية لصيقة إلى حد الجنون بالرصاص والدبابات والقذائف وبلحظات الموت المباشر والحقيقي، على نحو خرافي لا تحلم أي سينما أن تماثله. لذا ستكون ملحمة العودة إلى حمص علامة فارقة لزمن طويل في ذاكرتنا السينمائية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.