الصحف اللبنانية تموت. هذا ما نعلمه ولا نتجرأ على قوله. الوقت الصباحي لقراءة الجرائد الورقية ما عاد مديداً. يمكننا أن نقرأ، وبالأحرى نتصفح، الجرائد الأساسية في نصف ساعة على الأكثر. وهي قراءة ليست بالطبع نابعة من حاجتنا لمعرفة الأخبار، التي بتنا نعرفها مسبقاً وأسرع من لحظات طباعة آخر خبر بالصحف فجراً. نحن نقرأ هذه الجرائد اليوم، استمراراً لـالقراءة واستدامة لعادة الاطّلاع والمطالعة، ومن أجل هذا الترتيب الذي اعتدناه في تبويب الصفحات: الأولى والمانشيت، المحليات، التقارير، مقالات سياسية، الاقتصاد، العربيات والدوليات، الثقافة والفنون والمجتمع، الرياضة والمنوعات، وأحياناً صفحة الرأي والأفكار. هو ترتيب يتيح لنا رسم الصلات والروابط بين الأحداث وأوجه حركة العالم وظواهره. خاصية الصحف هي في تجاور المختلف والمتباين والمتباعد: تصريح لأوباما وأسعار عملات وجدول مباريات كرة القدم وداعش وملكة جمال ونقد لكتاب تشارلز بوكوفسكي. إنها صورة العالم اليومية. صورة ثابتة مطبوعة على ورق، صورة من لغة وتعابير وكتابة وفوتوغرافيا. ثمة شعور تمنحنا إياه الجريدة: المعرفة اليومية، سلطة المعرفة، امتياز القراءة، قوة التفكير.
التلفزيون الإخباري، ربما يقدم كل هذا، صوتاً وصورة، لا قراءة ولا كتابة. لكن ما يفعله التلفزيون تحديداً هو استهلاك الخبر، طويه واستنفاده وتبديده. آلة هائلة لفرم الأخبار وقذفها إلى الماضي، بالدقائق. ما كان قبل ساعة، خبراً وحدثاً، يصير ماضياً، ما يمنحنا الشعور أننا دوماً متخلفون عن العالم، وغير قادرين على اللحاق به. التحقيق الصحافي الذي نقرأه في الجريدة، بمتوسط مساحة 2000 كلمة ونصف ساعة قراءة متمهلة ومتمعنة، هو تلفزيونياً 20 ثانية من تصوير وكلام عموميين. وهنا، بدلاً من أن نقرأ ونتفكر ونستوعب ونفهم، نتحول إلى متفرجين ومتلقين، من دون أي وقت لاستيعاب فعلي. في المقابل، يمنح التلفزيون وقتاً مديداً للثرثرة. برامج التوك شو، على أنواعها، يستحيل تحريرها نصاً صالحاً للنشر والقراءة في الصحف الورقية، إذ ستظهر بوصفها هذراً محضاً. لكن أيضاً أن يتلو أحدهم على التلفزيون نص مقالة تحليلية، فهو فعل لا يبعث إلا على الضجر والتبرم. سيكون أشبه بحماقة. بهذا المعنى، يقترح علينا التلفزيون التسلية أخباراً ومشاهدة، أو الإستهلاك، طالما أنه يؤلف نسقاً من الرموز والعلامات، التي لها منطقها الخاص وحياتها الخاصة، والتي تلغي الحياة الواقعية، مستبدلة إياها بواقع مصطنع ومكثف وسريع الزوال. إنه يستبدل علاقة المسؤولية بفضول المستهلك وحسب. التلفزيون هو أشبه بـإعادة تمثيل ما يحدث.
الإنترنت، هو حال تتوسط الصحف والتلفزيون، حال من شبهة قراءة وشبهة فرجة. معظم مستخدمي الإنترنت يشاهدون النصوص المكتوبة أكثر من قراءتها. إنهم يتفرجون في تجوال محموم على كل ما هو منشور، صوراً وشرائط فيديوية ونصوصاً مختصرة أغلب الأحيان. نادراً ما يعمد مستخدم الإنترنت إلى النزول بـماوس الكمبيوتر لقراءة نص طويل، وإن فعل فعلى سبيل التصفّح فقط ليس إلا. ويمنحنا الإنترنت هو أيضاً شعوراً زائفاً بالاستحواذ على العالم وعلى المعلومات، إضافة إلى زيف الشعور أننا نقرأ أو نشاهد. فهو إذ يغمرنا بلامحدوديته، بلانهائية أبوابه ومعلوماته، يسلبنا أي سيطرة على التدفق العشوائي. بمعنى آخر، الإنترنت يقترح سيطرة الافتراضي على الواقع، بل يوهمنا أن ليس الواقع واقعاً، إلا في حال وجود رديف الافتراضي له. بالخلاصة: كل ما هو خارج الإنترنت ليس موجوداً.
تموت الصحف، لأن البطء يموت. ذاك الذي يمنحنا الشعور بإنسانية الوقت، بقدرتنا على تنظيم العالم وزمنه. البطء هو القراءة، تأمل ومعايشة الواقع وإحالته إلى علامات وأفكار وكلمات. البطء شرط إنتاج المعرفة أو تداولها، لا كسلعة، لكن كمنتج فردي وكنشاط فردي، وأن يشعر كل امرئ أنه يواجه العالم ويستوعبه ويقوله. هو شعور بالكينونة.
الورق والحبر والملامسة الحميمة الفيزيائية للجريدة، اللغة بأحرفها ومعانيها ودلالاتها وشكلها التصويري المطبوع. تلك علاقة أبعد من نشر أخبار، إنها حياة ذهنية خاصة، تفاعلية وعميقة، لا تمنحها المشاهدة والفرجة البصرية. لا صوت هنا. صمت القراءة هو حياة عقلية كاملة، ودخول مباشر في تاريخ الكلمات والرموز، وانتباه كلي لرحابة المعنى. ربما لهذا السبب، قارئ الجريدة وحده هو الذي يستحق وصفه بـالكائن السياسي. وربما أيضاً، انحطاط السياسة والسياسيين هو ترجمة مباشرة لانحطاط الصحافة الورقية المطبوعة واحتضارها. السياسة اليوم كما التوك شو التلفزيوني، هذر كثير يبتذل المعنى.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.