8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

منذ ست سنوات مات بسام حجار وذهب إلى الجوار المخيف، ولكنه لم يغادرنا بعد. إذ نحن اعتدناه غائباً هكذا، متوارياً وصامتاً، بالكاد نشعر بوجوده. كانت حياته مداومة على الاختفاء والاعتكاف والغياب المديد. اعتدنا أن نقول إنه هناك لا يغادر منزله في صيدا، ونادراً ما يتجول في شارع، وهو الذي كتب: الرحلة طويلة وشاقة في المسافة بين النافذة والسرير. بالكاد يظهر أو يشارك في نشاط أو يجالس جمعاً أو يسهر في مكان عام. بالكاد يشغل حيزاً أو يجتاز مسافة. كان في حياته ظلاً لاسمه وكتاباته، ولم يبدل موته شيئاً، فهو ما زال ظلاً وصورة واسماً لا نعرف نسيانه، ولا نكف عن قراءته، ولا نتوقف عن تذكره.
لهذا السبب، غاب ولم نشعر أنه غادرنا. لهذا السبب ظللنا بعد موته نألفه بيننا، مطمئنين لشبهة حضوره أو شبهة غيابه. فقط عائلته تعرف فداحة فقدانه.
يخيل إلينا أنه يواصل نومه، ذاك النوم الذي لطالما اشتهاه وكابد للغرق فيه، هرباً من صخب العالم وقسوته، وهو المتألم دوماً من مشقة الاستيقاظ والسعي اليومي. يخيل إلينا أن موته ليس إلا ترجمة فظّة لهدوئه وخفره ونعاسه وسهوه عن الحضور.
كرس شعره كله كفعل مغادرة، كرسم للغياب، كتأكيد للتحلل والنسيان والهشاشة. كتب الحياة بوصفها ظلالاً وتهيؤات وغفوة وإقامة في الغربة وتعبا مضنياً.. لا عزاء فيها إلا الحب الذي كان يمنحه ويطلبه بشغف وخجل وضعف ونقاء. كأن بسام حجار لم يكن شخصاً وجسماً ووجهاً، بقدر ما هو كائن من عواطف وأطياف حزن وظل شعرٍ داخل الشعر.
أذكره، جالساً قبالتي، بيد مرتعبة وراجفة يمسك قلم الرصاص المروّس ليكتب على الدفتر تلك المقالات الغاضبة، حيث يختلط فيها الجمال الشعري بالسخط السياسي. مقالات بمنتهى الأناقة تضرب كشفرة في عنق الكذب السياسي والفجور السياسي والشر السياسي. كان عنيفاً بغاية الرقّة وهو يخط نصوصه في نقد الوقاحة التي تهيمن، بقوة السلاح وإرهاب القتل، على لبنان، خصوصاً بعد العام 2005. فجأة، اكتسب الشاعر بسام حجار قوة التصريح وطاقة الاحتجاج. اكتسب صوتاً ناقماً وشرساً في مقارعة الرياء السياسي والدجل الإعلامي والزيف الأيديولوجي.
حين أتذكره، أعود للقول ان واحدة من أرقى المكافآت التي نلتها، منذ ادعائي كتابة الشعر وامتهاني العمل الصحافي، كانت صحبة ظلال بسام حجار. ومن أجمل مصادفات الوظيفة والحياة اليومية، كانت صداقة شخص بسام حجار. وأفضل عاديات نهاري كانت رفقة الشاعر بسام حجار، ما بين 1999 و2009.
قبل بسام حجار كان هناك دوماً تمثيل للشاعر، أداء مدبر للمثقف، استعراض مفتكر به لصورة الكاتب... قبل بسام حجار كانت هذه الشخصيات الموصوفة (الشاعر، المثقف، الكاتب، الصحافي، الناقد..) اختراعاً واصطناعاً ومسرحاً ودوراً وتصوّراً افتراضياً.
ذلك كله كان فقط حقيقياً وأصيلاً في بسام حجار إلى درجة لا تصدق، الى حد أننا كنا دوماً نروي للآخرين انه هو ذاته ودوماً كما هو، ويندهش الذين لا يعرفونه عن قرب كم هوغريب هذا الكائن الأليف الصموت والودود، وكنا نشعر باستمرار أن تعلقنا به وبصداقته وشغفنا به مشروط بأن نحفظ له غربته عنا، وأن نبقي فواصله وحواجزه اللامرئية بيننا وبينه، لكي يظل مطمئناً إلينا ويمدّنا بكل هذه المودة النقية، هذه المحبة المستمدة من مسيحية فيه تبدو إعجازية وتنسكية.
معه كنا نتمرن على الدوام لنجاريه في الرقة والعذوبة والتواضع. ونتمرن بأن نكون شعراء لا في الكتابة، إنما في التنفس والتحدث والسكوت. أن نكون أرهف وحقيقيين مثله قدر المستطاع. أن نكون أيضاً منحازين إلى الغضب في السياسة، أن نقارع القوة بصواب الفكرة، وأن نزهو بهشاشتنا وإنسانيتنا.
أتخيله، لو كان معنا اليوم، لو عايش ثورات تونس ومصر وليبيا واليمن، وخصوصاً الثورة السورية. أتخيله وهو يكتب ازدراءه للمستبدين، للكذبة والقتلة. وأتخيله أكثر يكتب عن الضحايا والمعذبين وكم كان ليكابد ما يشهده من مأساة.
أتخيله الآن يبكي وحسب.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00