8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

يوم الخميس الماضي، منحت الدولة الفرنسية، ممثلة بسفيرها في بيروت، الناشطة اللبنانية في قضايا العمران والبيئة المدينية، منى حلّاق، وسام الإستحقاق برتبة فارس. كان هذا تكريماً لجهدها الحثيث طوال سنوات من أجل الحفاظ على المعالم الثقافية والتراثية في العمارة اللبنانية، وإنقاذها من الهدم. كما كان الوسام تقديراً لمساعيها الدؤوبة في الحملات المدنية، للحفاظ على ما تبقى من مساحات وفضاءات عامة في مواجهة مشاريع المقاولات، التي تستولي على الأملاك البحرية والعقارات البلدية، من دون اعتبار لنوعية الحياة ومتطلبات السكان، وشروط استواء المدينة على عيش متحضر وصحي.
في لحظة التوحش الذي يفترس مجتمعات المشرق وعمرانه، ويضرب بجنونه الإرهابي في قلب باريس، ويهدد العالم بالبربرية والعنف، كانت الدولة الفرنسية، في اللحظة نفسها، تقدم تقديرها الرفيع لسيدة لبنانية مشغولة بتجميل حياة سكان مدينتها، ومشغولة برونق العمارة وذاكرتها، بل مشغولة بتأمين شروط انسجام مجتمعها، وببيئة سليمة للتواصل والإختلاط، حيث السلم الإجتماعي مرهون برهافة العمران وأصالته وانتباهه لرقي الذوق العام، من جهة، ولمتطلبات مختلف طبقات السكان وحاجاتهم المادية والنفسية، من جهة ثانية.
انتباه فرنسا، لمبادرات منى حلاق، ومساعيها المحمومة للمصلحة العامة، ومن أجل بيروت أجمل، متوائمة مع الذاكرة والعصر، يتناغم فيها السكان ويتشاركون رحابة الفضاء العام ومساحاته الجمالية .. هذا الإنتباه، يعيدنا مجدداً إلى صورة فرنسا في لبنان، تلك الصورة الراسخة في مخيلة اللبنانيين، منذ لحظة إعلان دولة لبنان الكبير، في قصر الصنوبر المحاذي لحرج بيروت (القصر ما زال مصاناً كواحد من أجمل معالم بيروت المعمارية، ربما لأنه المقر الدائم للسفير الفرنسي، والحرج عاد مرمماً ومصاناً بدعم وجهد فرنسيين أيضاً!). وصورة فرنسا في لبنان، منذ زمن الإنتداب، هي تلك الورشة الهائلة في إعمار وسط بيروت التاريخي وتوسيعه وشق الطرق فيه (استكمالاً لمشاريع عثمانية أساساً مع إضافات كبيرة عليها)، كما الكورنيش البحري وساحتي البرج والنجمة، وتنظيم المواصلات وسكك الحديد، والبنية التحتية لتصريف المياه وشبكات الهاتف والبريد ومياه الشفة والكهرياء، وابتداء زمن كوزموبوليتي، في العمارة وأنماط الحياة، معه نهضت مدينة وازدهرت لتكون جديرة كعاصمة لدولة ناشئة، مع ما يستلزم ذلك من إدارات بلدية ومدنية وقوانين وتشريعات حديثة، ومن دون أن ننسى في تلك الفترة الإنتدابية، إنشاء المدارس والمستشفيات وتأسيس الجيش وتطوير السلك البوليسي، وتنظيم البلديات والإدارات المحلية والتقسيم الإداري للمحافظات والأقضية.. والكثير مما هو جسم الدولة وصورتها ومبانيها المادية والمعنوية.
ذاك الإرث المشترك في صنع ذاكرة بيروت العمرانية، بين الإرادة الفرنسية والرغبة اللبنانية، بين ما هو تاريخي ومحلي وما هو مستعار ومستورد من حداثة، أسس هوية خاصة لمعنى الإقامة في بيروت، ثقافياً وسياسياً، ووسم ذاك الطابع الجمالي لعمرانها.
والمعمارية منى حلاق والمتخصصة أيضاً بالترميم الفني، عملت في جمعيات حماية الأحياء التراثية والمباني القديمة ذات القيمة التاريخية والثقافية، ونجحت في منع هدم بناية بركات، واضطرت بلدية بيروت لاستملاكها وتحويلها إلى بيت بيروت، متحفاً ومركزاً ثقافياً خاصاً بالتخطيط المدني للعاصمة. وانشغلت في إقامة المعارض والندوات والمؤتمرات لنشر وعي عام بالثقافة العمرانية وتنبيه السكان إلى حقوقهم في بيئة السكن والإقامة والتنقل، والتمتع بعيش أفضل وأجمل. كل ذلك، كان إخلاصاً منها لذاك الإرث الثقافي الكبير والمشترك، الذي يشغل ذاكرتنا الحديثة ويشكلها منذ مطالع القرن العشرين.
دعوة منى حلاق الدائمة، هي واجب الفن أن ينوجد في نسيج مدينتنا على نحو عضوي، أن تفرض الثقافة شروطها على السياسة والإدارة. لذا كانت كلماتها القليلة، ليلة الخميس الماضي، تردد:
أحلم بمدينة، حيث التخطيط المدني تنظمه قوانين بناء تبتكر بيئة تمنع فوضى الإنشاءات وتكبح جشع المستثمرين والمقاولين.
أحلم بمدينة تحمي تراثها الهندسي والمعماري، فلا تنهدم تلك المعالم الفريدة من أجل أبراج متطاولة تصادر سماءنا الجميلة الزرقاء وأيامنا المتوسطية المشمسة وتحاصر أزقتنا وأحياءنا الحميمة وتخنقها. أحلم بمدينة تصون مسرح بيروت واستديو بعلبك.
أحلم بمدينة، حيث نظام المواصلات العامة يتيح للسكان متعة التنقل والتجول والحركة، وبأرصفة آمنة للعابرين والمشاة.
أحلم ببيروت مخضوضرة، بمساحات للعب الأطفال ولهوهم الآمن في حرج بيروت، المغلق منذ 15 عاماً، ليعود كما في الماضي، حين كان يأخذني أبي في كل عيد.
أحلم بمدينة مليئة بالفضاءات والمساحات العامة، ليحتفي الناس ويتمتعوا بيومياتهم، هناك عند شاطئ الرملة البيضاء، فلا يشيد فيه منتجع خاص يصادر على الناس حقهم ببحرهم. وهناك عند دالية الروشة، المنتجع العمومي الإستثنائي، الفريد بخصائصه الأركيولوجية والجيولوجية، وميزته الثقافية، فلا يكون مشروعاً سياحياً مغلقاً وحصرياً لأصحاب المال واليخوت.
أحلم بمدينة، حيث الخيار بين مشروع حديقة عامة أو مشروع أوتوستراد فؤاد بطرس، الذي سيدمر النسيج البديع للأحياء السكنية ومساحاتها الخضراء الأليفة، بأن نبتكر حلاً لحيوية شق طريق وننجز في الوقت نفسه الحديقة، ونقلص أي تخريب للبيئة العمرانية.
أحلم بوسط مدينة يتيح لابني أن يعيش حياة غنية بالناس المتنوعي المشارب والطبقات والأهواء، فلا يتحول إلى معتزل من بنايات يبنيها الأغنياء للأغنياء، فيضربون قلب بيروت، حيث ساحة الشهداء التي يحتفل اللبنانيون فيها بمناسباتهم الوطنية، فلا تكون متروكة للظلمة، محاصرة بمواقف السيارات، وقد تصبح في ما بعد مباني فخمة، تقضي على هوية المكان إلى الأبد.
تلك كلمات منى حلاق، التي من أجلها نالت وسامها الفرنسي. كلمات وأفكار بعيدة عن كوابيس مدن المشرق، حيث يهيمن عليها الآن خطاب تراثي من نوع آخر، لا يبقي فيها حجراً على حجر.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00