8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

اللبنانيون إذ بالغوا هذا العام احتفاءً بـ الكريسماس

كما لو أنه عيد وطني هذا الكريسماس. ذاك ما نظنه ونحن نعيش في بيروت ونتجول في المناطق، ونشاهد البرامج التلفزيونية، ونطّلع على الصحف والأخبار والإعلانات. اللبنانيون كانوا هذه السنة مكثرين من اهتمامهم بعيد الميلاد، بصنع مظاهره وزينته. وفي الأيام التي سبقته، بل منذ مطالع شهر كانون الأول، كنا نرى كيف أن المدن الصغيرة والبلدات والقرى تتسابق في بذخها لتزيين طرقها وشوارعها وساحاتها، وتقيم احتفالات لإضاءة شجرة الميلاد.
إنهم يبيعون أشجار الميلاد وزينتها في دكاكين الطريق الجديدة، قال لي جهاد، إبن تلك المنطقة التي يقطنها المسلمون السنّة، مشدداً أن ذلك لم تكن لتفعله الدكاكين هناك في السنوات القليلة السابقة. ذاك ما ينطبق أيضاً على الدكاكين المحاذية للضاحية الجنوبية لبيروت.
وميلاد هذا العام، بدا أكثر تأثيراً على انتظام الحياة اليومية وإيقاعها، وعلى ترتيب الزمن وتدبيره، كأن يكون أيضاً مناسبة لغير المسيحيين وموسماً للتسوق وشراء الهدايا، وزيارة المغتربين لعائلاتهم، والإكثار من حفلات العشاء، وتبادل التهاني بالعيد وبنهاية العام الميلادي، والتمتع بالعطلة ومشاريعها الترفيهية، والإنغماس في زحمة السير الخانقة والإستثنائية، التي يسببها الخروج الكثيف والتنقل، من أجل التبضع والتحضير للاحتفالات والولائم، وشراء الثياب الجديدة...
بالطبع، فإن طقوس الميلاد واحتفالات رأس سنة، هي تقليدياً في لبنان مناسبة عامة عابرة للطوائف، هي جزء راسخ من تقاليده الإجتماعية ومظاهر ثقافته في العيش المشترك، المتراكمة طوال تاريخ التجربة اللبنانية، التي هندستها قوة الحضور المسيحي، ذاك الحضور التأسيسي الذي أخذ لبنان إلى التقويم الزمني الغربي والمعولم، وإلى مناسباته المشتركة، كأن تكون العطلة يوم الأحد مثلاً، وأن يترتب الوقت، عطلة أو عملاً، وفقاً لهذا التقويم ومفاعيله، التي تجعل اللبنانيين يشعرون أنهم يجارون العالم وإيقاعه الحديث، ويشاركونه في صنع مظاهره وصورته.
ذاك ما جعل عيد الميلاد ويوم رأس السنة مناسبتين رسميتين، بقدر ما هما مناسبتان اجتماعيتان عامتان. وإذا كان المسلمون لا يذهبون إلى قداس الميلاد ولا يتناول شطر كبير منهم الكحول، إلا أنهم عدا ذلك يشاركون في طقوسه الأخرى، كأن يستحضرون بابا نويل وينصبون شجرة الميلاد ويزينونها في منازلهم ويتبادلون الهدايا، عدا مشاركة معظمهم سهرة ليلة رأس السنة، بوصفها نهاية عام وابتداء آخر، أي بوصفها التقويم الفعلي لزمنهم الذي تنتظم وفقه حياتهم.
التجربة اللبنانية التي كان يقودها التفوق المسيحي، تعرضت لنكبات كثيرة وتصدعات عميقة، أبرزها ذاك التحول الديموغرافي الذي قلص من الحضور السكاني المسيحي، وبالتالي قوتهم الرمزية والفعلية في صياغة الحياة اللبنانية. وتزامن هذا أيضاً مع بروز الإسلام السياسي وأيديولوجياته الكثيرة، شيعة وسنّة، مسبوقاً ومعطوفاً على تمرد عنيف وخروج حربي على موازين الصيغة الطائفية وتوازناتها، ضد ما كان يسمى الهيمنة المسيحية في السلطة وفي الإمتيازات. وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى حال الضعف الذي أصاب المسيحيين اليوم في لبنان.
الصحوة الإسلامية، بشقيها الشيعي الخميني، والسنّي السلفي أو الأصولي، مضافاً إليهما النعرة الطائفية، اشتغلت بإصرار ومثابرة على إنفصال المسلمين عن التقاليد الإجتماعية السابقة، عبر وسمها بـالكفر والشرك والإستلاب العلماني والتغربن. والأهم هو العودة إلى التقويم الزمني الإسلامي ومناسباته دون غيره، وإزالة ما علق بحياتهم من شوائب الإشتراك والتشبه بطقوس الطوائف والأديان الأخرى.
في لبنان، انتهى هذا الجهد الإسلاموي، طوال العقود الثلاثة المنصرمة، إلى تأليف سينوغرافيات طوائفية واضحة، وإلى رسم هويات لمتحدات اجتماعية أهلية وطائفية ومذهبية، مستقلة عن بعضها البعض في مناسباتها وأعيادها ومواقيت عطلها واحتفالاتها، يرفدها ويحصنها هذا الإنقسام السياسي الذي جعل كل طائفة يقوم على رأسها حزب حصري واحد، يمثلها أو يصادرها.
المعجزة الصغيرة كانت في استمرار تلك التقاليد المشتركة أو الثقافة الوطنية ومظاهرها، التي صاغتها طوال مئة عام تقريباً تجربة لبنان الكبير. أي ذاك النمط من الحياة المدنية الذي يحيل الأعياد الدينية (الفطر، الأضحى، الميلاد، الفصح...) إلى مناسبة عمومية ووطنية، تبدأ من عطلة المدارس جميعها، وتنتهي في مظاهر المشاركة احتفالاً وزينة وتسوقاً. وهذا ما لم تنجح في تبديده لا ذاكرة الإحتراب الطائفي ولا الأيديولوجيات الدينية.
لكن، كريسماس هذا العام كان أزيد مما كانه في السنوات السابقة. بدا أن ثمة تنافساً إسلامياً إسلامياً (شيعة وسنّة)، بالمعنى السياسي للكلمة، على إظهار حفاوة بالغة بالمناسبة، كأن ثمة إلحاحاً منهما على كسب ود وطمأنينة اللبنانيين المسيحيين. حتى أن تنصيب شجرة الميلاد في هذه الساحة أو تلك، كان أشبه بمناسبة سياسية، وتصريح علني بـالتمسك بالمسيحيين وبـالعيش المشترك.. إلخ من الرطانة المعروفة. بدا هذا في التسابق الإعلامي على الإهتمام بالمناسبة، وفي تولي معظم البلديات مهمة تزيين الشوارع في مناطق لم تكن تكترث كثيراً بذلك.
ميلاد 2014 هذا، كان في لبنان أشبه بإعلان عارم من مسلميه (وسياسييهم وأحزابهم) أنهم أبعد ما يكونون عن شبهة داعش. ذاك ما جعلهم ربما يبالغون في الإهتمام بعيد الميلاد، تصنعاً أو عفوياً، تملقاً سياسياً أو تعاطفاً فعلياً. لكنه في كل الأحوال حقيقة معاكسة لما يحدث في الجوار المخيف.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00