الاحتفاء بـالربيع العربي انتهى. اللحظة الكرنفالية الراقصة، والمفعمة بالتفاؤل الساذج، تبددت. العبارة نفسها التي وسمت الثورات بوصفها ربيعاً خرجت من التداول تقريباً. يمكننا أن نستدل على ذلك من الكتب التي تصدر الآن، والمتوفرة في أجنحة دور النشر بمعرض بيروت للكتاب. فبعد ثلاث سنوات من سيل الكتب التي تعنونت بـالربيع العربي وقاربت أحداثه ويومياته وظواهره وصوره، حلت بدلاً منها كتب وإصدارات داعش والعنف الإسلامي والحركات الجهادية التكفيرية إلى جانب كتب المصائب والحروب التي أصابت سوريا والعراق واليمن وليبيا، وكتب الألم والخيبة والخسارات ومعايشة الكوارث. ويضاف إليها عودة الروح إلى كتب التراث الديني، وخصوصاً منها تلك الموغلة في المذاهب والشيع والفرق ومعتقداتها وفقهها. السياسة هي المهيمنة على العناوين، وتتداخل فيها مؤلفات التاريخ أو الكتب التي تعرّف بالجماعات والأقليات أو الطوائف.. تلبية لوقائع الحاضر الغارق في المجازر والقتل والتهجير والبؤس والاستبداد والفساد.
كان أيضاً معرض هذا العام، بلا حضور عربي ولا دولي، محلياً وبيروتياً وحسب. وهذا من علامات حال التواصل أو اللاتواصل بين بلداننا، وحال التداول في الكتب وصناعتها واقتصادها، كما حال لبنان المعزول، الذي يحاذره الأجانب والعرب ويتجنبون زيارته، خصوصاً وأن جيرانه السوريين والعراقيين ليسوا بوارد أي سياحة ثقافية طالما أنهم واقعون في بلاء الحرب وعنفها الرهيب.
الظاهرة الأخرى التي يرسمها المعرض هي الكآبة الأدبية، إذا صح التعبير. فبالتزامن مع سنوات الربيع العربي، وقبلها بقليل، شهد العالم العربي إنفجار فن الرواية. مئات الروايات كانت تصدر وتوزع وتهيمن على سوق القراءة، فيما دور النشر تتنافس على نحو محموم لجذب كتّاب الرواية إليها، كما أن قراء هذا النوع الأدبي باتوا هم الأغلبية الواضحة. وعلى هامش هذا الانفجار والازدهار غير المسبوق، نشأت الجوائز الخاصة بالرواية العربية، جوائز كثيرة تمنح الشهرة والمزيد من التسويق، المتنامي والمتوسع في المدن العربية ومكتباتها.
الآن، في معرض هذا العام، تغير المشهد على نحو دراماتيكي. ما من روايات كثيرة. بالكاد يمكن إحصاء عشر روايات جديدة تستحق الإشارة إليها. بل أيضاً ما من روايات مترجمة بالكمّ الذي كانت المعارض السابقة تقدمه. ثمة تراجع فجائي في التأليف الروائي العربي وفي الروايات المترجمة. وعلى الأرجح، القراء أيضاً ذهبوا هذا العام إلى كتب أخرى، كتلك التي تطرحها العلوم الإنسانية في مقارباتها السوسيولوجية والتأريخية لأحوال بلداننا ومجتمعاتها المنكوبة. البحث الآن هو عن الكتب التي تقدم إجابات عن سؤال: لماذا نعيش هذه الأهوال والمخاطر؟ من أين أتت هذه الإرتكابات التي تنزل بشعوبنا، أو تنزلها شعوبنا بنفسها وبالآخرين؟ أين ذهبت تلك الوعود التي لاحت طوال سنوات ثلاث ماضية؟
من الجيد، بمعنى من المعاني، هذا الغياب شبه التام للشعر. هذا البكم الشعري الذي يدلنا على مأزق القصيدة العربية (وغبائها)، التي كانت طوال عقود منتشية بذاتها الطاووسية، المكتفية بتهويماتها وعوالمها الخاصة، وانكشف اغترابها عن الآن وهنا، وعن الوجدان الفردي والعام، كما عن النوازع الحقيقية للغة الجارية والمتحولة والمعيوشة.
خرس الشعر، واحد من إنجازات ذاك الربيع العربي، الذي فضح الفساد الأصلي الكامن في كل مشروع الحداثة العربية وزيفه. تلك الحداثة التي أنتجت الشاعرية السياسية المؤذية والسامة، إذ أن الصدامية والأسدية والقذافية هي ذروة التعبير الشاعري في السياسة. هي الخيال المريض للشعرية العربية.
لا كتب شعر تقريباً. هذا من حسنات المعرض البيروتي لهذه السنة. وإن بقي الشعراء ذوو الحضور الكاريكاتوري والفلكلوري، يواظبون على استعراض أنفسهم في أروقة المعرض ومقهاه. إنهم هكذا، مثالات لتلك الثقافة الاجتماعية الجوفاء، والتي ما عادت تسحر الناس ولا تغويهم.
ربما سيكون 2014 عاماً يستدل عليه في تعيين التحول الذي أصاب التأليف والنشر، إلى مرحلة متجهمة لكنها أكثر جدية وأقل توهماً. إنه معرض تأتأة الثقافية العربية، التي تبدو كأنها ذاهبة إلى المقصلة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.