8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

في تبجيل صباح المتأخر ورثائها

على محور بيروت القاهرة التاريخي أشياء كثيرة، من تأسيس الصحافة وإنتاج الأدب ونشر التعليم الحديث، إلى فنون الموسيقى والغناء، وانتهاء بالسينما والتلفزيون وصناعة الترفيه. وعلى مدى قرن ونصف القرن، بُنيت عمارة الثقافة العربية على أعمدة كثيرة، أضخمها هو هذا المحور القاهرة بيروت.
في طيات هذا التاريخ، ثمة حكاية النسوة اللواتي نزلن من ريف جبل لبنان وهاجرن إلى مصر. في ذاك الزمن، حين كانت النساء بالكاد يغادرن حدود القرية، وبالكاد يمشين وحيدات في الحارة والسوق، استطاع بعضهن أن يغادر حضن الأهل إلى رحاب الأمكنة النائية ووحشتها أو إلى مدن الاختلاط واللهو، في مغامرة السفر وحريته ومخاطره.
من آسيا داغر وماري كويني وبديعة مصابني ولور دكاش إلى صباح وأخريات في أزمان قريبة. إنهن النسوة اللواتي باشرن ضروب الفن غناء وتمثيلاً ورقصاً وسينما ومسرحاً. صانعات الصورة والصوت بوجوههن المكشوفة، بأجسادهن الحرة، من غير تستر أو اختباء.
يطوي موت صباح تلك البدايات والمغامرات الأولى، إذ كانت الشاهدة الأخيرة على حقبة الوعود الليبرالية العربية وحداثتها غير المكتملة، حقبة كوزموبوليتية لم تعمر طويلاً.
لعقود مديدة، كانت الثقافة العربية محكومة بقسمة اعتباطية راسخة، قوامها الثقافة الرفيعة والثقافة الشعبية. والأخيرة هي دوماً وفق خطاب النقد مبتذلة ورخيصة. كان إنكار ضروب الغناء والرقص والتمثيل ونفيها من متن الثقافة الرفيعة، والهزء منها والتعالي عليها، تكريساً لذم اللهو والخفة والبهجة والمرح والتسلية وأوجه الترفيه، بوصفها إسفافاً وركاكة وإلهاءً أو هي تشويه لمثالات متخيلة عما يجب أن يكون عليه الفن، كل فن. كان نقداً متناسلاً من أيديولوجيا الحداثة التبشيرية التي تدعي قطيعة من جهة وتأسيساً من جهة أخرى. أيديولوجيا صناعة نخبة لا ترى أهلية لدى العموم لا في تذوق الأدب الحق ولا في فهم الفن الصحيح .. ولا في مباشرة السياسة وتعاطيها.
بمعنى آخر، كانت تلك الثقافة تحتقر تمثيل الديموقراطية وترجمتها في أوجه الحياة وحاجات الناس وأذواقها وأمزجتها. وهذا ما كان في السياسة كما في الفن. وتأسس على تلك النظرة خطاب يساري قومي، كان مثلاً يرى في أم كلثوم أفيوناً للشعوب، فيما كان عبد الحليم حافظ يجسد طيش الشباب وسذاجته. أما صباح فهي مثال الخفة المذمومة والمكروهة، هي صورة فن الملاهي وصوتها اللعوب، هي العفوية والوقاحة اللتان تقاربان الفضيحة في فنها وفي سيرتها.
ما كان يمكن إعادة الاعتبار لصباح أو لعبد الحليم حافظ أو حتى لأحمد عدوية أو لطروب أو نجوى فؤاد وتحية كاريوكا وغيرهم، لولا تلك التحولات التي أصابت الثقافة العربية منذ أواخر التسعينات، مع ما قد نسميه المراجعات التي طالت المنظومة الأيديولوجية اليسارية والقومية كما طالت منطلقات الحداثة العربية وخطابها المأزوم.
ويمكن نسبة تلك المراجعات إلى الاقتراح الذي قدمته أفكار ما بعد الحداثة، من النظر في الثقافة الشعبية (بوب آرت) والأخذ بها، إلى معاينة التعبيرات الاجتماعية العفوية والعمومية وموروثها الهجين ومصيرها الاستهلاكي وأثرها في اللغة والذائقة العامة، وصولاً إلى تعيين الكيتش ومحو الفاصل الوهمي بين الرفعة والوضاعة في الفن. كان توسيع الثقافة يُدخل إليها الفاشن واللوك والفيديو كليب كما الغرافيتي والديكور والغلامور والشهرة والإعلان...
الأهم هو التحول الذي انتهى إلى مديح الخفة، ومديح مظاهر وصور ناتجة لا من الثقافة المحترفة بل الطالعة من عمق شبكة العلاقات الاجتماعية والثقافية والسياسية والتاريخية والأدبية والإثنية، أي من تلافيف الذاكرة الجمعية كما من عفويات الشارع وميادينه العامة وشبكات التواصل والتعبير المفتوح والديموقراطي. وترتب على هذا التحول أيضاً إعادة نظر أخلاقية خصوصاً في مقاربة سير نساء الفن ونجماته إلى حد التمجيد البطولي، وجعلها رواية ومصدر إلهام قصصي مسترسل في تبجيله لشجاعتهن وحنكتهن وذكائهن العفوي والفطري، وفتنتهن الأنثوية.
على هذا النحو كان رثاء صباح، أشبه باعتراف متأخر لإرث هذه المرأة سيرة وفناً، كما لشبيهاتها اللواتي يحاولن اقتفاء أمثولتها في حب الحياة والبهجة والحب نفسه، وفي استعراض أجسادهن وفتنتهن، صانعات لحظات سعادتنا المتخيلة، واحتفائنا بالخفة والضحك وشغف العيش ومتعه العابرة.
من أرياف الجبل اللبناني إلى شواطئ الإسكندرية وشوارع بيروت ومسارح القاهرة، كانت صباح أغنية وسينما وصورة، أشبه بمسرح الأهواء المغدورة والمنصرمة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00