في طعامنا غائط. هذا ما عرفناه في الأيام القليلة الماضية. الأغذية الفاسدة تملأ متاجرنا ومطاعمنا الفخمة قبل الوضيعة. التلوث الغذائي، الذي يؤدي إلى التسمم المتكرر وموت الأجنة والإصابة بالسرطان، هو ما يصيبنا على نطاق واسع منذ سنوات.
اكتشفنا أن نظام الإمدادات الغذائية الذي يبدأ من شروط الإستيراد أو من إدارة المزارع إلى مواصفات التخزين والتوضيب، ومن ثم مستلزمات التصنيع فكيفية التوزيع ووسائله، وصولاً إلى طرائق الحفظ والبيع.. هو نظام فاسد بالكامل.
الفساد هنا غير متعيّن، إنه شامل من المنتجين والمصنعين إلى التجار، ومن الصعب حصره أو حتى محاصرته. والأفدح أن هذا الفساد الغذائي ما كان ممكناً طوال هذا الوقت، وعلى هذه الشمولية والسعة، لو لم يكن متسقاً مع فساد أعم وأكبر. إذ من غير المعقول أن نظاماً معقداً وكثير الحلقات تشترك فيه قطاعات زراعية واستثمارية وتجارية وصناعية، بالإضافة إلى طبقات من عاملين وموظفين وتقنيين وخبراء وأصحاب مصالح، يعبر فيها الفساد ويستوطنها، لو لم يكن متماشياً مع فساد منظومة الحياة العامة برمتها.
من يشاهد قنوات التلفزيون اللبنانية وما ينضح عنها من سقط متاع الأفكار والآراء، والإسفاف الأخلاقي، والعنصرية والبذاءة السياسية والانحطاط الثقافي المريع، وتخريبها الدؤوب للذائقة العامة، وترويج التفاهة وتصنيع الفضائحية واستساغتها للتحريض المذهبي اليومي وتربية الأحقاد والحض على الكراهية.. يشاهد الفساد العميق المتجذر في تربتنا وفضائنا وعقولنا.
من يعاين أحوال الجامعة اللبنانية مثلاً، ويشهد كيف تنخرها الميليشياوية ويتآكلها التسيب والضعف الأكاديمي. من يرى مخالفات البناء والتعديات على الأملاك العامة والأحراش والشواطئ والأنهر. من يتعرف يومياً على أسعار السلع والبضائع والمتقلبة والمزيفة. من يتعامل باستمرار مع السنكري والكهربائي والميكانيكي وسائق التاكسي ويصطدم بمزاجيتهم في العمل وقابليتهم الدائمة للاحتيال والاستغفال.
من يحاول قيادة سيارة في شوارعنا وأوتوستراداتنا، سيتعرف إلى هول الفساد السلوكي والنفسي، منساقاً إلى حرب أهلية على الإسفلت وأمام الإشارات الضوئية، معركة لا تتوقف، وعراك بالأبواق والمقاود والعجلات، وتسابق عبثي مجنون على الطرق، من غير انضباط أو انتظام، وغياب فادح للدماثة أو التهذيب.
من يدخل إدارة عامة، ويستكشف كواليسها. من يمشي على رصيف أو يجلس في مقهى ويستمع للغة الكلام المتداول ويراقب لغة الأجساد. من يذهب إلى مستشفى ويتعرف إلى العوالم الخفية طباً وعلاجاً وأدوية وتمريضاً وإدارة، علاوة على قطاع التأمين الصحي وشركاته والضمان الإجتماعي. من يراقب كل المناقصات والصفقات العامة، ومن يبحث في العالم السري للمصارف والمؤسسات المالية ونفوذها، أو يستطلع أحوال المرافئ والمطار وأجهزة الجمارك وإدارات تخليص المعاملات، أو يستكشف قطاع الإتصالات، ومن يطّلع على تلزيمات الأشغال العامة والبنية التحتية والإنشاءات... ولا ننسى أيضاً، عدا النهب والسرقة والمحاصصة والمحسوبيات، غياب الكفاءة والتسلط الحزبي الطائفي وانعدام الرقابة والإهمال المتراكم وضعف القوانين بل والإضعاف المتعمد لسلطات إنفاذ القانون وتطبيقه.
الفساد العمومي يجد مرتكزه أصلاً في القناعة العامة: من يلتزم بالقانون، من لديه وازع أخلاقي، يخسر وينسحق وتنعدم حظوظه. سيبدو نافراً وشاذاً وغير قابل للإندماج في مسرى الحياة العامة، إلى حد أنه سيُحاصر بعداوة إجتماعية ومهنية قد تودي به. البقاء على قيد الحياة لبنانياً مشروط بالتأقلم مع الفساد.
هذا الفساد الذي يطال كل أوجه حياتنا، مع الأزمة المديدة في البنى والحاجات الأساسية كالكهرباء والماء والمواصلات والإتصالات وأنظمة الصرف الصحي والتخلص من النفايات وتدويرها، وحماية الشواطئ والأحراش والأنهار، ومنظومة الوقاية من الأمراض والعناية الصحية.. إلخ، يضاف إليها فساد منظومة الحقوق الأساسية كالأمن والتعليم والقضاء والغذاء.
بمعنى آخر، يمكن توصيف لبنان كـدولة فاشلة، ليس فقط لأن هناك فساداً سياسياً يسمم إلى حد مميت مؤسساته التنفيذية والتشريعية والقضائية، ويمنع بالتالي انبثاق سلطة قادرة، ويخرب آلية إنتاج حكومة وبرلمان ورئاسة جمهورية، مدمراً كالسرطان النظام الديموقراطي، بل هو دولة فاشلة أيضاً بسبب انهيار المنظومة الأخلاقية للمجتمع اللبناني، وتهافت نظام القيم، الذي يجعل العيش والعلاقات والتواصل محتملاً طالما أن الوعي بـالمصلحة العامة مكرس. ويبدو أن هناك تغذية متبادلة بين فساد النظام السياسي ونخبته من جهة، وفساد أخلاقيات المجتمع من جهة أخرى.
غياب السلطة القادرة يمهد لغياب الوازع. تنتفي المراقبة والمحاسبة، فينطلق الجشع والنهب والتكالب والمنازعة غير المشروعة والتربح الفاجر. مع الوقت تتأسس على ذلك شبكة المصالح كلها وتسيطر على مجمل قطاعات الإنتاج والإدارة والتجارة، وبالتالي تصير هي صاحبة النفوذ التي تعمل على ديمومة غياب السلطة وانتفاء أي تهديد بالمحاسبة. وعلى مستوى أفدح، سيكون من المستحيل تقريباً الفصل بين السياسيين أو من هم في السلطة عن أصحاب المصالح الفاسدين: سيكونون الأشخاص ذاتهم. الوزير هو عينه صاحب المصنع أو الشركة أو المؤسسة التجارية. هو نفسه المقاول ورئيس مجلس الإدارة والمستثمر.
الفساد من فوق ومن تحت، ينطلق من الخلل التاريخي عينه: تقهقر المجتمع اللبناني إلى عصبية الجماعة الطائفية، المستقوية على الدولة والمعادية للعصبيات الأخرى، والمبتكرة لأفرادها حصانة هويتهم الطائفية، بعدما تم تبديد إرث الجمهورية الأولى، التي نجحت طوال عهودها، وخصوصاً في الستينات ومطلع السبعينات، في خلق فضاء لمواطنية لبنانية مدنية كان يمكن لها أن تتوسع لولا خطيئة الحرب.
بدا الوزير وائل أبو فاعور، وهو يقوم بواجبه، ويكشف عن لوائح الفساد، كأنه آت من زمن آخر، من جمهورية أخرى، كما لو أنه من عهد فؤاد شهاب مثلاً. ذاك ما كشف أيضاً وعلى نحو ضمني، ما يسكت عنه الوزراء الآخرون، ما يخبئونه عنا يومياً.
في المحصلة، بين التسمم السياسي والتسمم الغذائي، تموت الجمهورية الثانية ويحتضرالمواطنون.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.