في الوقت الراهن، لا يهم المصير النهائي لإسبارطة. حياتنا والوقت المتبقي لنا وللجيل المقبل (على الأقل) لا يسمح لنا بترف انتظار تلك النهاية، التي نظنها حتميةتاريخية. فإسبارطتنا قد تعيش طويلاً من غير أن يصيبها الوهن أو أن تنزل بها الهزيمة.
خلال العشرة أيام المخصصة لإحياء ذكرىعاشوراء، وتلبية لنداء حسن نصرالله، نظم حزب الله المجالس الحسينية، التي تستعيد سيرة الإمام الحسين وأهله وأتباعه ومقتلتهم في كربلاء. وعمد الحزب إلى استنفار أقصى طاقاته في التعبئة والتنظيم والحشد، من أجل إحياء المناسبة في كل قرية شيعية، أو حي أو مدينة من أقصى الشمال إلى آخر نقطة حدودية في الجنوب، موحّداً الشعارات والرايات واللافتات، كما الزيّ والشارات وكذلك الشعائر والطقوس ونبرة الخطباء وكلماتهم.
وهذا ليس جديداً طوال ما يقرب الثلاثين عاماً الماضية، فمنذ أن وجدتالشيعية السياسية جسمها الحزبي المتمثل بـحركة أمل وحزب الله، واعتصمت الطائفة بعصبيتها، مستقوية بسندها الإيراني السوري، عمدت إلى ترتيب مناسباتها الدينية بوصفها مناسبات احتشاد واستنفار للعصبية، واستعراضاً للقوة كجماعة سياسية متراصة ومنظمة وفاعلة. وأفضت هذه الممارسة الدؤوبة بالتوازي مع الإنجازات العسكرية إلىصعود للطائفة، مكّنها من الهيمنة والنفوذ على مجمل الحياة العامة اللبنانية، والتأثير الحاسم في صناعة القرار الوطني، أو في إنتاج السلطة، أو في الاستحواذ على المؤسسات والإدارة والأجهزة الأمنية والديبلوماسية..إلخ.
إلا أن عاشوراء هذا العام، كانت مناسبة نوعية، تم فيها تعبئة أهل القرى والمدن والأحياء بعناية شديدة، وتم تشكيل صور هذه التعبئة ورسمها بدقة بالغة، والتوكيد على بثها وإظهارها على نحو مكثف، بحيث لا تخلو ساحة أو طريق رئيسية أو محلة من هذا الاستعراض المتقن، إذ يتراءى للمشاهد أن جميع أهل تلك الناحية أو الضاحية أو البلدة أو المدينة، عن بكرة أبيهم، مشاركون لا كسكان متنوعي الهيئة أو الملبس أو السحنة، بل هم كما الجيوش موحّدين بأزيائهم وشاراتهم وحركاتهم وتعابيرهم، أطفالاً وشباباً وصبايا ونساء ورجالاً وشيوخاً. كل فئة عمرية لها مظهرها المميز ومكانها وكتلتها داخل المسيرة، ولهاإكسسواراتها وشاراتها.
لم يعمدحزب الله إلى تنظيم مسيرة مركزية واحدة، في الضاحية الجنوبية كما جرت العادة، بل إنه أراد أن يجعل من أي مسيرة في أي قرية نائية، وكأنها مسيرة مركزية. وهو استطاع أن ينجز ذلك على نحو مدهش ومفاجئ، ناجحاً في رسم انطباع حقيقي أن الطائفة الشيعية ليست كباقي الطوائف: جماعة لديها نخبة منظمة في حزب، بل الجماعة كلها منظمة في حزب. وهذا الحزب ليس كباقي الأحزاب ـ الطوائف، بل هو جيش شديد الانضباط وفائق التسلح ووافر الإمكانيات المادية ومحترف في الإدارة والتعبئة ويحوز ولاء مطلقاً، ويتصف بالتراص السياسي والصلابة الأيديولوجية، عدا عن عمق الالتزام الديني، الذي يؤمن الطاعة التامة والطاقة الفائقة للعصبية المقاتلة.
وإذا كانحزب الله أراد للطوائف الأخرى أن تتفرج، إلا أنه لم يصنع هذه المشهدية فقط من أجل باقي اللبنانيين، بل هو كان يكمل مشهدية أكبر تمتد على مجمل خريطة الشرق الأوسط الكبير، من باكستان إلى إيران، ثم خصوصاً في العراق، إلى الكويت والبحرين وشرق السعودية، وطبعاً بعناية خاصة في اليمن حيثتسونامي الحوثيين، بالإضافة إلى ما يشبهالحدث التاريخي الثأري: مسيرات عاشورائية على الطريقة الحزب اللهية في دمشق،عاصمة الأمويين.
وما أنسب من ذكرىعاشوراء، كي تتم هذه المشهدية التي تقول إن شيعة العالم الإسلامي باتوا اليوم القوة المتفوقة والمنظمة، وبات لهم المرجعية الزمنية والروحية الواحدة المتمثلة بنظامالولي الفقيه، وهم الآن جسم واحد في أمة (إمبراطورية)، جيشهم على ضفاف البحر المتوسط، يهددون إسرائيل وقناة السويس، وهم على ضفتي الخليج ويهيمنون على مضيق هرمز، وهم يطلون الآن على المحيط الهندي، ويسيطرون على مضيق باب المندب. هم الآن في ثلاث عواصم المشرق العربي: بيروت، دمشق وبغداد... ويهتفونزحفاً زحفاً نحو القدس ويتهامسون: إلى مكة والكعبة.
عاشوراء هذا العام، كانت استعراضاً للقوة بوجه التهديد الذي تشكله جماعات الجهاد التكفيري، جماعات القاعدة وجبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، لكنها أيضاً كانت عرضاً عسكرياً أمام أنظار دول العالم، ومخاطبة لهذه الدول: نحن الأمر الواقع الحقيقي الذي يستطيع لجمالإرهاب الذي تخافونه. نحن المهيأون لعقد الصفقة الكبرى.
من يدري، قد يصحح التاريخ خطأه وتنتصر إسبارطة هذه المرة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.