هناك حدث مسرحي في بيروت إسمه المجزرة. عروضها مستمرة منذ 10 تشرين الأول. احتفت الكتابة الصحافية بهذا الحدث منذ اللحظة الأولى، ممتدحة كل من عمل وشارك في صوغه وتقديمه. نادر هكذا إجماع نقدي (وعن صواب) تجاه عمل فني. لقد صفقت الصحافة، كما الجمهور، طويلاً وبلا تحفّظ لعرض مسرحي من طراز رفيع. الاحتفاء الاستثنائي بها في مدينة معروفة بحدة مزاجها وتطلبها وقسوتها تجاه أي عمل فني، دفع بفريق عمل المجزرة إلى تمديد عروضها حتى الثامن من هذا الشهر. هذه أيضاً مكافأة نادرة تتحصلها العروض المسرحية في بيروت.
في العرض الذي شاهدناه، شعرنا أن الحاضرين دخلوا في حال من الانخطاف. كانوا متجمدين تماماً بسحر كدنا ننساه: الفرجة الحيّة لفن التمثيل والأداء.
المجزرة، بلا تردد، هي أشبه باستيقاظ المسرح اللبناني من غيبوبة مديدة. فمنذ زمن بعيد لم نشهد من يحترم المسرح ويحترمنا، ومن يلزم نفسه بالإتقان ومحاولة الكمال في فنه. وعلى الرغم من أن المجزرة هي العمل الأول لكارلوس شاهين في مجال الإخراج المسرحي، إلا أنه قدم عرضاً مختمراً وناضجاً، بالغ التوازن والدقة، مشغولاً بالمليمتر، وبحرفة من حصّل خبرة عميقة وحساسية فائقة الرهافة، ومقدرة صلبة على الإحاطة بكل عناصر العمل، وضبطها وفق رؤية مكتملة وواضحة. مايسترو التوازن والتوزيع والإدارة، ابتداء مما قبل العرض، من عملية نقل النص من الفرنسية إلى العربية (بتعاون حميم مع جهد رندا الأسمر في الترجمة). إذ نشهد هنا أولاً الترجمة مع ما تعنيه من صعوبة الحفاظ على معنى النص الأصلي، ثم الانتقال إلى سوية الالتباس بين التعريب واللبننة، مع مخاطر الانزياح عن روح النص ومرجعيته الثقافية، والانزلاق إلى إغراء المحلية، ثم الانتقال إلى سوية النقل أي ابتكار نطق لبناني وحسب يخون مقتضيات الترجمة والمحلية وينحاز إلى أدبية الأصل ونبرته. واللعب مع نص ياسمينا ريزا المحكم هو التحدي الذي أنجزه كارلوس شاهين ببراعة.
وأن يختار شاهين هذا النص تحديداً، الوعر والخطر، وضعه مباشرة أمام مغامرة قصوى خصوصاً وأنها أولى تجاربه المسرحية. كأنه أراد أن تكون هذه الخطوة الأولى إما إلى السقوط الفاضح وإما إلى ألق القمة. وقد كسب الرهان بتأييد الجمهور العريض وحماسته.
الأخطر من ذلك، أنه وضع نفسه وممثليه في تحد أرفع وأصعب، فمعلوم أن المجزرة نقلها إلى السينما واحد من كبار مخضرمي السينما العالمية هو رومان بولانسكي (2011)، مع ممثلين من طراز كيت وينسلت وكريستوف فالتز (صاحب دور الضابط النازي في فيلم Inglourious Basterds)، وجودي فوستر وجون ك. رايلي (Magnolia). فيلم خاطف للأنفاس، مع ذورة أدائية استثنائية، بإدارة بولانسكي المتطلبة والصارمة للممثلين، وكاميرا لصيقة بالوجوه والأجساد المحشورة في صالون شقة نيويوركية.
وضع شاهين ممثليه في مقارنة لا مهرب منها، أمام نظر الجمهور، مع أبطال النسخة السينمائية، بقدر ما وضع نفسه في مقارنة مع بولانسكي ذاته. جرأة لا يقدم عليها إلا المتهور أو المتمكن. ومن دون أدنى مبالغة، كنا نشاهد العرض اللبناني وننسى من ذاكرتنا تلك النسخة السينمائية، أو على الأقل نجاورهما بالتساوي بلا تحفظ أو مفاضلة، وفي معظم أوقات الفرجة تخلينا عن المقارنة، لقوة ومتعة ومتانة الاقتراح المسرحي لا بسبب حميميتنا وإلفتنا للهجة اللبنانية مثلاً، بل بسبب جودة الأداء الفائقة لدى الممثلين والإدارة الإخراجية لهم، التي نجحت في ضبط الممثلين، بالمسطرة، على مستوى واحد من العطاء والحضور، صوتاً وجسماً وحركة وانفعالاً وعصباً. إذ كان يكفي خلل واحد من ممثل واحد أن يطيح بالعمل كله، لشدة اشتراط التوازن في بنية النص وتوزع الأدوار وتركيبة كل شخصية، وتبادلها المحموم للحوارات المتلاحقة.
فادي أبي سمرا، كارول الحاج، برناديت حديب، ورودريغ سليمان قدموا لنا واحدة من أندر اللحظات في تاريخ التمثيل في المسرح اللبناني. أفضل ما اختزنوه من خبرات وتجارب وثقافة تمثيلية بذلوها في هذا العرض، متفوقين على أنفسهم وعلى توقعاتنا. كأن المسرحية كانت مختبراً في التصعيد التمثيلي، أي لم يأتوا كي يلعبوا أدوارهم، إنما كي يبحثوا في تطوير فن الأداء واستكشاف الحدود القصوى لإمكانياتهم. والأهم هو استكشاف لغة جسمانية وصوتية تصهرهم في عصب تمثيلي واحد، متناغم ومحبوك وفق إيقاع تصاعدي لا رحمة فيه ولا تهاون إزاء أي نشاز. عمارة من حوارات متوترة ومتدافعة وأجساد ملتهبة ولاهثة.. مسرح من غضب وعنف وحمم مكبوتات وانهيارات جوانية ونفوس مشتعلة بكآباتها وكائنات يعذبها وعيها الوجودي الشقي.
على هذا كله، كانت المجزرة دراما مزدوجة، أي درامية النص والعرض أصلاً، ودرامية العمل تمثيلاً وإخراجاً. ريبرتوار يرتقي بالمسرح اللبناني، بعد سنوات من الخمول والتهافت.
[تعرض على خشبة مسرح مونو ـ الأشرفية








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.