ما بين الكافيه دو باري ودار الندوة، في شارع الحمرا، كانت لقاءاتنا مع منح بك الصلح. رأس ضخم مشتعل بشعر أشيب كثيف ومنتصب، وجسم عريض طويل مصاب بشلل جانبي أعطب أطرافه اليمنى. كان ينظر إلينا دوماً كشبان جدد لا يستحقون الثقة، لكن بانتباه كمن يبحث عن مواهب جديدة تستحق الرعاية أو التوجيه من بعيد. كان حرصه على معرفتنا لا بما نقوله أو كيف نتصرف، لكن بنسبنا ومنشئنا وسويتنا الاجتماعية والطبقية، وهويتنا الدينية.
بنظرنا، بدا اهتمامه بمنبتنا رجعياً وتقليدياً، طالما أننا كنا نعتقد أن المرء وهويته- هو صنيع ميوله السياسية والثقافية فقط، هو أفكاره وأقواله وعلمه وحسب. فيما منح بك كان يتفحص أصولنا وسيرتنا الشخصية والعائلية مقرناً إياها بما نتفوه به وبما نكتبه، فيسعه أن يرسم لنا صوراً في ذهنه عما نكونه حقاً. وعلى الأرجح، كانت تلك الصور رغم اعتباطيتها تكشف مصدر سلوكنا ولغتنا وأخطائنا وتحزباتنا وأذواقنا.
كانت تلك بدايات إدراكنا لقوة الحقائق الاجتماعية والفردية، ودورها العميق غير المدرك أغلب الأحيان في صوغ خياراتنا السياسية والثقافية، وفي مسلكنا وقراراتنا وملبسنا ونبرة أصواتنا أيضاً. وبمعنى آخر، النظر إلى السياسة من تحت والانتباه إلى مادتها الأولية وعواملها الجزئية، ومنبعها من الأهواء والمصالح والطموحات والتحولات، ونسبيتها الأقوى من منظومة أفكار ما أو أيديولوجيا رائجة أو غالبة.
لم يقل منح الصلح أياً من هذا، لكن في معاشرتنا لآخر عهود زمن المقهى وجلساته الشفهية الأشبه بمباريات لانهائية في الجدل والكلام، كانت تمدنا بما نحتاج إليه إذ نحاول التدرب على معايشة المدينة وشأنها العام وصحافتها وسياستها وحوادثها، وإدراك تلك القوانين غير المكتوبة التي تضبط الرأي والموقف، موافقة أو اعتراضاً. ويجوز القول إن منح الصلح كان أستاذاً بارزاً في تنبيهنا إلى شروط الانضمام إلى صيغة بيروت الكثيرة الوجوه. فتكون الحقيقة، أي حقيقة، كثيرة الأوجه أيضاً، ومدعاة للتبجيل والسخرية في آن.
مع مطلع القرن الواحد والعشرين، انتهى زمن المقهى، بوصفه الديوان اليومي والطقس السياسي والثقافي الأبرز والبالغ الأثر في إنشاء الكلام الذي يجد مساربه في الصالونات السياسية وفي الصحافة المكتوبة وأخيراً في ثنايا الرأي العام. وربما تزامنت تلك النهاية أيضاً مع تراجع الصحافة المكتوبة عن الصدارة، والانطفاء المباغت للأحزاب، والتقاعد البطيء لجيل الستينات، والتدهور الاقتصادي لذاك النمط من المقاهي إزاء النمط السياحي.
انتهى أيضاً زمن المشافهة، وثقافتها وطقوسها والأتيكيت المصاحب لها، ونظام التراتبية الذي يضبط أدوار التصريح وأدوار الإستماع أو التعليق وتوزع الجالسين ومن يتصدر عفوياً وتلقائياً. إذ إن حضور منح الصلح مثلاً كان من فوره يدفع المتصدر أن يتنحى له. تلك لحظة انتهاء ما سبق من حديث، إذ إن جلوسه هو الافتتاح الرسمي للجلسة.. وهو عادة ما يكون قد تحضّر بجملة مفتاحية ستكون محور الساعتين أو أكثر قليلاً من المداولات.
ما كان يغيظه هو أن يقول أحدهم جملة سائدة بلا أي تعديل أو نكهة شخصية. كان ذلك يستفزه تماما، ذاك أنه يميل لذكاء الصياغة لا بالضرورة لصوابها. الفكاهة أو اللعب على الصور والألفاظ هما من صلب تجديد الأفكار أو هي شرط في تسييل السياسة وجريانها. فمقته العميق للأيديولوجيا والمثقفين هو بسبب انحيازه لعفوية الشفهي وتلقائية الغريزة وولعه بالحدس الخبير والمدرب على النقد والتساؤل. الالتباس هو ميزانه، ونسبية الحقائق هي مبدأه، إذ يرى الزعبرات والخزعبلات في قلب كل يقين سائر وعميم.
من الصعب القول إنه صاحب نكتة سياسية، بمعناها المعروف، إذ إن الطرافة والكوميديا هنا بالكاد تغطي حدّة المعنى وجديته، وقوة النزق أو الغضب أو قساوة النقد. هي دوماً تشبه الومضة التي لا تحتملها مقالة ولا تحتويها خطبة. كان ذاك فن زمن المقهى، من أيام الدولتشي فيتا إلى مطعم فيصل والأنكل سام والهورس شو... هناك حيث وجوه البعث بجناحيه والناصرية بفرقها الكثيرة والقومية العربية بطوائفها والماركسية على أنواعها. هناك الصحافيون والسياسيون والجواسيس والمتآمرون والأدباء وأصناف من كتبة وظرفاء ومخالطيهم وأتباعهم ومشايعيهم، كانوا يرسمون وهماً أو حقيقة بعضاً من أقدار مجتمعاتنا والكثير من وجهات ثقافتنا وإعلامنا ويقررون في مصائر شخصيات علواً أو هبوطاً..إلخ
لم يبق في التسعينات من ذاك الزمن سوى مقهى الكافيه دو باري حيث كان المقر المفضّل لمنح الصلح وأصحابه، قبل أن تفتح سيتي كافيه بالقرب من قصر رفيق الحريري، وتجذب تلك الشلة إليها. هناك ازدهر قرابة العقد من الزمن، المقهى السياسي الجديد، الذي كان يرى فيه الرئيس الحريري علامة على تجديد تقاليد بيروت السياسية، فكان حريصاً على معرفة ما يدور فيه من أفكار وآخر نكاته الساخرة ومزاج رواده في شؤون البلد وأحواله، إذ إنها بالنسبة إليه بوصلة لا تخطئ.
ليس فقط وضعه الصحي المتدهور هو الذي اضطر منح صلح أن يلزم بيته وحسب، لكن أيضاً أفول عهد تلك المقاهي، وتبرمه هو من انحطاط اللغة وانسدادها في الثقافة والسياسة. وهو في هذا الشأن لم يكن لديه موقف ثابت إلا من النظام السوري، إلى حد أنه في المرة الأخيرة التي التقيته (برفقة حازم صاغية) وقبل أن نقرأ له بيان تأييد الثورة السورية قال لنا بلا تردد: ضعوا توقيعي عليه.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.