شاهدنا مستمعين عبد الملك الحوثي في خطابه المتلفز يوم الأربعاء. بدا ذلك الإخراج والأداء مألوفاً. السينوغرافيا ذاتها، اللغة نفسها، الإصبع المتوعدة المهددة نسخة طبق الأصل. الغضب والضغينة والنبرة الناقمة، وكل مواصفات الأمين العام الذي يحرك المقاتلين الأشداء.. هي عينها في صنعاء كما في بيروت.
قبل ذلك، تابعنا سير الأحداث في العاصمة اليمنية صنعاء، بدءاً من الإعتصامات والخيم المدججة ومن ثم المناوشات والمعارك وصولاً إلى احتلال صنعاء، وانفراط كتائب وفرق الجيش وتخاذلها، فالإستيلاء على المؤسسات الحكومية وفرض أمر واقع سياسي جديد، قوامه تكريس الإحتراب إلى يوم الدين. نحن أيضاً، نعرف تماماً هذا السيناريو في بيروت (5- 9 أيار 2008).
اليمن بنزعاته القبلية الحادة، بسلطة فاسدة سقطت ولم تمت، بثورة شعبية سرقتها ثورة مضادة، بوجود انفصاليين جنوبيين، بتغلغل تنظيمات الجهاد التكفيري، القاعدة وأشباهه، بنهوض حركة مذهبية شيعية مسلحة ومتفوقة، يقول زعيمها بالحرف: ولاية المسلمين أحقية مطلقة لنسل الإمام علي.. ومن لديهم موقف سلبي من الولاية هم سبب التبلد السياسي للأمة وتقبلها للحكام الظالمين، علماً أن شعار الحركة الحوثية هو الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود والنصر للإسلام، بجيش مشرذم ومتعدد الولاءات، بفقر قياسي وأمية مستشرية وصفر تنمية كبير.. كل هذا وغيره كثير، هو وصفة تامة لفوضى عنف وحروب أهلية متناسلة، يتداخل فيها المحلي والإقليمي والدولي تداخلاً مميتاً.
على الأرجح، سيظل لليمن رئيس جمهورية مع فوهات مصوبة على صدغه، ستكون هناك حكومة ما تقيم في اعتقال دائم وتحت حراسة مشددة وربما مع صيغة الثلث المعطل. سيكون هناك أيضاً مجلس نواب طيعاً ومستسلماً، بل سيبقى ثمة جيش وطني مع مهام الشرطة وشعار محاربة الإرهابيين. هذا ما نعرفه تماماً هنا في بيروت منذ سنوات. نعرف أدوار الدول العربية وأموالها ووسطاءها، أدوار إيران (وحلف الممانعة) وأسلحتها وخلاياها وبترودولارها أيضاً، أولويات الولايات المتحدة واستراتيجياتها، انحطاط النخبة السياسية وبذاءاتها، لاأخلاقية النخبة الاقتصادية بين استثمار مافيوي مشاركٍ مع السلطات والميليشيات، أو هروب بالرأسمال المنهوب. نعرف أيضاً اليأس مع خراب البنى التحتية ومقومات الحياة العصرية، وغياب الأمان واستشراء العنف في السلوك وفي اللغة وفي مظاهر الحياة اليومية، مضافاً إليها الإنتحاريين والتفخيخيين وقاطعي الرؤوس والخاطفين وما لا يعد ويحصى.
اليمن، ينضم رسمياً إلى خارطة الجحيم. يمكنه الإقتداء بالنموذج اللبناني، وهو الأقل دموية راهناً، إذا قرر أنصار الله (الحوثيون)، العمل وفق صيغة شقيقه الروحي حزب الله اللبناني، أي ضمان الهيمنة والترهيب، من دون الإستيلاء التام على السلطة، ومن دون الدخول في حرب إبادة للمعارضين، تطويع الجميع وتدجينهم وحسب. دولة شكلية بيروقراطية خدماتية، محكومة من دويلة مقاومة، شديدة البأس والقوة.
لكن ثمة احتمال أن يفرض النموذج العراقي نفسه في اليمن. حفلات من القتل الجماعي اليومي، تقوم بها الجماعات ضد بعضها البعض، مدعومة من أجهزة إستخبارات جميع الدول، المعنية بدوام الصراع في هذه الحرب المذهبية القبلية، التي ستكون طبعاً من أجل محاربة الإستعمار وتحقيقاً لـالموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، والنصر للإسلام، وبالتأكيد مع صرخة الله أكبر المقدسة.
وتحاشياً لتعقيدات المثال العراقي، وربما لصعوبة الاهتداء إلى اللبننة التي تتطلب مهارة أكروباتية لا وقت كافياً للتدرب عليها، يمكن لليمن أن يحذو حذو ليبيا، قسمة واضحة بين طرفين متحاربين يقسمان البلاد إلى نصفين متكافئين، يخوضان معارك الكر والفر بلا حسم ولا حل.. ولا أمل في المستقبل المنظور، مع بقاء موفد أممي يتوسط للهدنات ولجلسات حوار بين كذبة ومجرمين.
من الممكن أيضاً الذهاب باليمن إلى النموذج السوري، عبارة عن حركات جهادية تكفيرية، إرهابية، مقابل أصولية شيعية مقاتلة وإرهابية، يتكافلان ذبحاً بالشعب وتدميراً للبلاد وتحطيماً للدولة، بالتحالف مع بقايا نظام ديكتاتوري دموي، متآمر دوماً. وفي هذا السيناريو أيضاً، سنتذكر مآل الربيع العربي الذي كان للشعب اليمني فيه مساهمته البارزة وتضحياته وأمثولاته المدنية والسلمية، المتبددة في تآمر الداخل والخارج عليه.
لا موانع طبعاً من أن يصير اليمن على شاكلة الصومال، بلداً ميؤوساً منه، متروكاً خارج أي اهتمام جيوسياسي، منذوراً لفوضاه وبؤسه وموته المستمر، يعتاش على المساعدات والقرصنة وتجارة السلاح والسوق السوداء والتهريب وما شابه.
لكن، ما نقوله عن اليمن وخياراته، هو في الحقيقة تصورنا عن لبنان واحتمالات غده. فلا ننسى أننا نحن السبّاقين في ابتكار هذا النمط من الدولة الفاشلة، وهذا النموذج من الحرب الأهلية، بل إن ما حدث في كل تلك البلدان ليس سوى من التنويعات التي اختبرناها طوال أربعين عاماً. يكفي فقط أن نشاهد خطبة عبد الملك الحوثي كي ندرك إلى أي مدى نجح نموذجنا في الانتشار. نحن السباقين من دون خاتمة، إذ أننا نستأنفها ونكررها أيضاً. إننا مستعدون الآن للتماثل مجدداً مع اليمن ومع سوريا ومع ليبيا والعراق. تلك هي مجريات الشمال الشرقي للبنان، واحتمالات جنوبه، وممكنات بيروت وصيدا وطرابلس والضاحية الجنوبية، والفراغ المتعاظم في الحكم وتحلل الدولة وركاكة الحكومة وضمور شرعية مجلس النواب..
يبدو أن كل هذا ثمن زهيد ولا وزن له، في سبيل: الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود والنصر للإسلام.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.