من هذا اللامبالي بهندامه، الذي يترك فمه هكذا بلا أسنان تقريباً، النحيل والضاحك بأريحية، كمن لا يعرف همّاً ولا يكترث بشيء؟ من هذا الرجل الستيني الذي صادقني مباشرة بعد أول مصافحة، وصار طوال الجلسة الليلية في وكر المثقفين المصريين، دار ميريت، بوسط القاهرة، يقول لي يا يوسف..، يقولها بتلك النبرة الحميمة التي تشي أنه يتحدث مع صديق قديم؟ من هو هذا الشخص الذي يبدو جسمه المهدود متخلفاً عن اللحاق بصخبه وحيويته وكلامه المتواصل، وسهره حتى قبيل الفجر، من دون أن يكبحه أو يخفف من قوة صوته وشراهة تدخينه.
كان ذلك اللقاء بأحمد سيف الإسلام عبد الفتاح، في أيام الذكرى الثانية لثورة يناير المصرية، على بعد أمتار من ميدان التحرير. كان يتكلم بالسياسة كأنه يؤلف نكاتاً، كمصري ساخر أصيل، بلا مجانية أو ابتذال. هكذا، لتبدو المناورات السياسية وحوادثها الخطيرة، في لحظة سعي الإخوان المسلمين للهيمنة المديدة على مصر، سلسلة من الطرائف السوداء، التي يختلط فيها الضحك مع القلق: هم إخوان الإسلام وأنا سيف الإسلام.. مش حايقدروا عليّ.
حين راح يروي يومياته كسجين سياسي، لم يفارقه مزاجه المرح، فيقول كيف يكون الضرب والوجع وتبقى قسمات وجهه منشرحة وفائضة بالحبور، فيما نحن المستمعين إليه نشعر أنه يتعمد دفعنا إلى الكآبة والخوف، كأنه يتمتع بامتيازه كخبير معتقلات وسجون أمامنا نحن الذين لا تجربة اعتقال لنا. حينها فهمت أيضاً كيف أن أصدقاءنا السوريين الذين قضوا سنوات في المعتقلات الرهيبة، كانوا أيضاً يروون تجاربهم بلا انفعال كمن يروي أموراً تخص آخرين، فيما نحن نصغي للأهوال التي تعرضوا لها ويكاد الرعب يشلنا.
كان يسرد صراعه مع جبروت الدولة وأجهزتها، على نحو ما يفعله معظم المثقفين المصريين المعارضين، أي كأن المطاردات والإعتقالات وأعمال القمع والدخول إلى السجن والتعرض إلى التعذيب، هي لعبة مسلية، أو هي نمط عيش طبيعي لا مبرر للإمتعاض منه أو استغرابه. وبالطبع ليس الأمر كذلك، لكنها هي حيلتهم، إن صح التعبير، كي يبقوا هكذا ممتلئين بروح النكتة والسخرية كما يليق بالمصريين.
عبد الفتاح المهمل لمظهره في تلك الليلة، المتعب الجسد، كأنه يندفع إلى شيخوخة مبكرة عمداً، راح يروي كيف أن نظام مبارك، ورداً على أولى تظاهرات الثورة، نظّم من جهة موقعة الجمل، وبالتزامن معها وضع لائحة صغيرة بأسماء على عدد أصابع اليد، اعتاد النظام اعتقالهم عند أول شغب سياسي، فجاءت الشرطة العسكرية واقتحمت مركز هشام مبارك للقانون الذي أسسه عام 1999، وأخذته إلى المعتقل مع رفاقه الحقوقيين والصحافيين، فيما شرارة الثورة تتحول إلى عصف من ملايين البشر.
ولدت إبنته منى وهو في السجن، وتوفي هو فيما إبنه علاء في السجن. سيرة الأسرة كلها على هذا المنوال. زوجته ليلى سويف من المؤسسين لـحركة 9 مارس التي سعت وناضلت لاستقلالية الجامعات المصرية، كما أنها من أوائل المؤسسين لـحركة كفاية المعارضة لنظام مبارك. الإبن علاء عبد الفتاح من أبرز الشباب الناشطين والمعارضين لنظام مبارك، ثم لحكم الإخوان المسلمين، وها هو اليوم في عهد المشير السيسي يقبع في الزنزانة، لينفذ حكماً بالسجن 15 عاماً بتهمة خرق قانون التظاهر. وها هي إبنته سناء أيضاً مسجونة على ذمة التحقيق لمشاركتها بتظاهرة تطالب بإطلاق سراح المعتقلين. كما أن الإبنة الثانية منى هي من المؤسسين لـمجموعة لا للمحاكمات العسكرية.
قبيل وفاته قال أحمد عبد الفتاح: لم نورث أبناءنا سوى السجون. هو الذي سجن واعتقل أربع مرات في عهدي السادات ومبارك، منها فترة اعتقال دامت خمس سنوات ما بين 1983 و1989. هو من جيل هزيمة 1967، وهو من جيل الحركة الطلابية في السبعينات، وهو من جيل المعارضين اليساريين في الثمانينات، وهو من جيل الناشطين الحقوقيين في التسعينات، وهو من جيل ثوار 25 يناير 2011، وهو من الذين يغيبون تباعاً اليوم، مختتمين زمناً يأفل مع مشهد العهد الجديد، الذي يبدو مألوفاً وآتياً من الماضي ذاته. كأن ما مرّ من تعب وسجون وأعمار وتضحيات وثورات وتظاهرات، راح هباءً، أو هو استئناف على بدء، فلا يكون للأبناء سوى ما أصاب الآباء.
انتهى مشوار عبد الفتاح السياسي، متخلصاً من كل الحزبيات، منحازاً ومهتدياً إلى سياسة وحيدة: حقوق الإنسان. كان يحدثني في فبراير 2013 عن خطر الإخوان وخطر التدخل العسكري مجدداً: الإثنان لا يكترثان بالحرية، الثورة باظت يا صاحبي. سألته: هل أنت يائس؟ أنا مش حا هاجر.. لسه الشباب عاوزيني، وهم مش حا يسكتوا... في تلك الليلة الطويلة، كانت القاهرة تودع ما تبقى من وعود ميدان التحرير. محمد هاشم صاحب دار ميريت، راح يتذكر أيام الثورة كأنها تاريخ سحيق منقطع عن الحاضر. يومها قال لنا أنه سيهاجر ويترك مصر.
دار ميريت، التي كانت أشبه بغرفة عمليات المثقفين والناشطين المصريين إبان ثورة يناير، حيث كان لقائي بأحمد سيف، هي نفسها رحلت عن مكانها قسراً. الأمكنة وناسها تغيب اليوم عن القاهرة. القصاص الخفي يطال كل الذاكرة الخطرة التي قد تزعج العهد الجديد، إذ يستأنف عهوداً قديمة خبرتها أجيال أسرة عبد الفتاح على مدار أربعين عاماً.
موت عبد الفتاح هو الخاتمة الحزينة لروح ميدان التحرير 2011.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.