لم تتحول بلدة عرسال إلى مخيم نهر البارد، حين اضطر الجيش اللبناني إلى تدمير المخيم، من أجل حسم معركته مع إرهابيي فتح الإسلام. نجت عرسال من الكارثة، على الرغم من أن المعركة فيها كانت قاسية بخسائرها البشرية، في صفوف الجيش اللبناني أولاً، وفي جموع المدنيين، اللاجئين السوريين منهم والسكان اللبنانيين أيضاً. انتهت المحنة بتسوية غير مكتملة، وبلا حل واضح أو نهائي.
نجا لبنان بصعوبة، مرة أخرى، من الإنزلاق إلى الحروب المتناسلة في سوريا والعراق. وربما نجا أيضاً من هاوية الحرب المذهبية المندلعة من باكستان إلى اليمن، مروراً بسائر المشرق العربي، على الرغم من استنفار العصبيات المذهبية وصداماتها السياسية والإجتماعية والإعلامية، بل وعلى الرغم من الإختراقات الأمنية الخطيرة والتفجيرات الإرهابية، التي وقعت على مدى العامين المنصرمين.
هذه النجاة، تبدو غير مضمونة مستقبلاً، وهي بالأحرى تؤشّر إلى مخاطر إضافية آتية. فقد كشفت معركة عرسال عن أسوأ ما يصيب بلد ما: انفلات حدوده. فالجيش اللبناني، الذي اضطر إلى ترك المساحة الأوسع من الحدود الشمالية والشرقية مفتوحة أمام عبور آلاف المقاتلين من حزب الله، بكامل عتادهم ومدافعهم وصواريخهم، من وإلى سوريا، متخلياً عن وظيفته الوحيدة مبدئياً (حماية الحدود وضبطها)، لا يسعه أن يطلب من الذين يحاربون حزب الله أن يحترموا سيادة لبنان وحدوده. فهذا الجيش وحكومته مسؤولان سياسياً وقانونياً عن الغزو الذي يقوم به حزب الله لسوريا، بل عن إرساله المقاتلين إلى العراق أيضاً. بمعنى آخر، فإن لبنان متورط في الحروب المجاورة، بواسطة جيش لبيك يا زينب. والذي يغرق ليس عليه التعجب من البلل. والإستنتاج المنطقي يقودنا إلى القول: إن حزب الله يتحمل المسؤولية الكبرى عن تعريض لبنان وحدوده للإنهيار. فقرار دخوله الحرب على الشعب السوري دفاعاً عن أسوأ نظام دموي في العالم العربي، لم يأخذ بالحسبان لا الكلفة ولا المخاطر ولا المآسي التي تهدد الكيان اللبناني، ليس فقط مما سيأتي من وراء الحدود، بل مما قد ينفجر في الداخل من تناقضات وعداوات وعصبيات.
ليس تدخل حزب الله وحده المسؤول عن مجيء الإرهابيين وتهديدهم للبنان؟ هذا صحيح. لكن لولا اشتراكه في المذبحة الإقليمية، ولولا احتكاره للسلاح وضربه للتوازن السياسي، وتهميشه للدولة ولجيشها وقواها الأمنية، وتطاوله على السيادة وتورطه في إغتيالات إرهابية موصوفة وتفجيرات معروفة، وحمايته لمجموعات مسلحة وخلايا استخباراتية (سورية وإيرانية..)، ولولا أنه لا يمنع انتخابات نيابية ورئاسية، ولا يعطل متى شاء مجلس النواب وعمل الحكومة، ولا يهين الجيش ويسلبه الأمر هنا أو هناك، في تلك الحدود أو في تلك المنطقة، ولولا أنه لا يغزو بيروت في 7 أيار 2008 أو لا يهدد بغزوات جديدة مماثلة، ولا يحمي ويهرب مفجّري المساجد في طرابلس.. لو أنه ليس كل ما هو عليه، لربما كانت مناعة لبنان الدولة والجيش والمجتمع، أضعاف ما هي عليه اليوم. فلا شيء يميز الأردن الآمن مثلاً، والواقع أيضاً في قلب المشرق والمحاط بقوس الحروب، سوى أن الدولة هناك هي صاحبة الحق وحدها في القرار وفي الأمن وفي حماية الحدود.
كشفت معركة عرسال أيضاً عن ثقافة لبنانية تجلت في زجليات مديح الجيش والعسكر، تنضح بلغة فاشية، وتضع الجزمة على رؤوسها. وهي تتجاوز التأييد والدعم لمهمات الجيش في دفاعه عن البلاد والمواطنين، إلى تبني عقيدة سياسية شوفينية وعسكريتارية، وتضمر دعوة إلى ديكتاتورية عسكرية ممجدة ومقدسة. وهذا النزوع غالباً ما كان مقروناً بتعصب عنصري، سرعان ما فاض في أثناء معركة عرسال، وتجلى في حوادث الاعتداء على اللاجئين السوريين، وفي الدعوات العلنية إلى قتل السوريين مهما كانوا وأينما وجدوا. واقترنت زجليات مديح الجيش، بالتحريض أيضاً على أهل عرسال أنفسهم، وهو تحريض حمل في طياته استخداماً واضحاً للجيش في التحريض المذهبي، الذي عبّر عن نفسه أيضاً في أفعال أهالي القرى المجاورة لعرسال. وكلمة الأهالي هنا، وكما علمتنا التجارب السابقة في جنوب لبنان في الصدامات مع قوات الأمم المتحدة، هي الإسم الحركي لجهاز حزب الله الأمني، والذي كان على ما يبدو، وبالتناغم مع رغبات النظام السوري، يريد استثمار معركة عرسال، أولاً لإشعال فتنة الكراهية والعنف العنصري ضد اللاجئين السوريين، عقاباً لهم على تمردهم على النظام السوري، وثانياً التخلص من حالة عرسال كسند للاجئين السوريين، غير خاضعة لإرادة حزب الله وحليفه الأسد.
أدرك الجيش أنه على الرغم من صوابية خياره، الذي لا جدال فيه بدفاعه عن الحدود وعن المواطنين اللبنانيين، كان يتورط في تلك الإستخدامات والتوظيفات التي أرادها له كل من النظام السوري وحزب الله ومحبي الجزمات الفاشية أيضاً. وكشفت معركة عرسال كذلك، أن الجيش اللبناني مهان، ليس فقط من قبل جموع النصرة وداعش الإرهابيين، لكن أيضاً ممن يقاسمه قرار الحرب والسلم والسيطرة على الحدود، ويقاسم الدولة سيادتها وإرادتها. وهي إهانة مستمرة منذ توقيع إتفاقية القاهرة عام 1969، والتي سلبت لبنان سلطته وحق قواته المسلحة بحصرية السلاح وحصرية المسؤولية عن الحدود والأمن. وهذه الإهانة لا تمحوها زجليات ولا مواقف مؤيدة وداعمة لفظياً، فيما أصحابها على أرض الواقع لا يفعلون شيئاً سوى تهميش الجيش وتهفيت الدولة وتهديد الصيغة والميثاق والدستور، ويبنون دويلتهم العابرة للحدود والمستدعية للحروب جنوباً وشرقاً وشمالاً.
من أجل أن ندحر داعش وأخواتها، لا بد من العودة إلى لبنان وفكرته، إلى نظامه الديموقراطي، إلى توازن المساواة في الحقوق والواجبات بين أبنائه، إلى مشروع الدولة، وإلى جيش يقول الأمر لي حرباً وسلماً، إلى دولة الحريات والتسامح، بلا أقليات وأكثريات بل تعدد وتنوع. هذا النموذج الذي نراه قادراً على الإنتصار على داعش ويكون خلاصاً لبنان ولسوريا والعراق من التطرف والديكتاتورية في آن واحد، هو للأسف نموذج موقوف إلى أمد غير معلوم، بقوة سلاح حزب الله، وبفعل خروجه على الدولة وعلى اللبنانيين، خروجاً يفتح أبواب الكوارث والخراب في كل حين.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.