ذهبت إلى غزة في مطلع العام 2009، حاملاً استياء مكتوماً من حركة حماس، التي دبرت قبل ذلك الحين بعامين انقلاباً دموياً على منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح والسلطة الفلسطينية، والتي كانت أيضاً جزءاً من المحور السوري الإيراني، الساعي إلى تقويض استقلالية القرار الوطني الفلسطيني، وسرقة القضية الفلسطينية. كان محور الممانعة يعمل على تقويض أي مسار تفاوضي فلسطيني. إسرائيلي، والأهم هو إخراج القضية الفلسطينية من سياقها العربي، وإلحاقها بإرادة إيران وسياساتها.
كان امتعاضي من حماس، أنها في ذلك العام، افتعلت حرباً ضد إسرائيل، بغض النظر عن المصلحة الفلسطينية، وبلا اكتراث للنتائج الكارثية التي ستصيب السكان، بل بلا مبالاة للأضرار السياسية الفادحة التي ستلحق بالفلسطينيين، كقضية وكمشروع دولة وكشعب. كانت رعونة حماس وقتها تستجيب وحسب لأجندة إيرانية واضحة الأهداف، بقدر ما تلبي في الوقت نفسه رغبة الإسرائيلي في طمس القضية الفلسطينية برمتها، والتحرر من عبء السلام العادل غير المستعدة له، وإعفائها من منح الفلسطينيين حقوقهم الوطنية المشروعة، بالإضافة إلى تجديد دور إسرائيل الحيوي في المنطقة، بوصفها رأس حربة العالم الحر في الحرب على الإرهاب والتطرف الإسلامي، عدا عن رغبتها أيضاً في القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية وتقويض شرعية السلطة الفلسطينية أو إفشالها على الأقل. وبهذا المعنى، كانت حماس تسهّل طموحات إسرائيل، وتقدم لها كل التبريرات الأيديولوجية والسياسية التي تبحث عنها.
بدت حرب حماس 2009، تكراراً مشيناً للحرب التي افتعلها حزب الله عام 2006، الذي فقد بعد الإنسحاب الإسرائيلي عام 2000 من جنوب لبنان، وتنفيذ القرار الأممي 425، ورسم الخط الأزرق الحدودي تحت إشراف الأمم المتحدة.. فقد أي شرعية حقوقية بشن أي عملية عسكرية على أهداف إسرائيلية، وفقد الأساس القانوني والأسباب الموجبة لاستمرار المقاومة. لكنه مع ذلك، وانسجاماً مع مشروع الممانعة، وتقويضاً للحركة الإستقلالية اللبنانية، وإصراراً على إبقاء لبنان رهينة هذا المحور ووصايته، وانتقاماً للهزيمة التي لحقت بالنظام السوري في لبنان وانسحاب جيشه وشبيحته ومخابراته من لبنان، افتعل حزب الله حرباً، انتهزتها إسرائيل بكل جوارحها وحقدها، لتدمر لبنان وتخربه وتفتك بالحياة فيه. ذهبت إلى غزة عام 2009، لأجد شعباً فلسطينياً يحصد الويلات لا من تسلط حماس، ولا من الإذلال الإسرائيلي اليومي وحصاره الخانق والإجرامي، بل أيضاً من الإهانة العميقة التي كان يلحقها به نظام الفساد والإستبداد المصري في عهد حسني مبارك وأجهزته الأمنية والمخابراتية الفاسدة والمتعسفة والعنيفة، التي كانت تتلذذ بمزاجيتها في التحكم بحياة أهل غزة وحاجياتهم اليومية.
لن أنسى أثناء وقوفي عند بوابة معبر رفح، من الجهة المصرية، مشهد طابور الشاحنات المحملة بالمساعدات وقافلة سيارات الإسعاف الكثيرة، ووفود الأطباء المتطوعين من كافة أنحاء العالم، وكيف جلبت السلطات المصرية الطواقم الإعلامية وكاميراتها، لتصوّر هذا المشهد الإغاثي الكبير، ثم كيف أنها أدخلت تلك القوافل، إلى داخل حرم المعبر موهمة العالم أنها ذاهبة إلى غزة، وإذ بعد ساعات وبعد أن أتيح لنا الدخول تمهيداً لمسيرنا نحو غزة، نكتشف أن السلطات منعت أولاً الأطباء من العبور إلى غزة، وركنت كل الشاحنات وسيارات الإسعاف هناك وراء منشآت المعبر، وحجزت عليها ومنعتها من إكمال طريقها نحو غزة.
لن أنسى أيضاً ذاك التمييز الفج الذي مارسه رجال الأمن بين الأجانب والفلسطينيين العائدين إلى ديارهم، والساعات الطويلة التي مرت بلا أي مبرر، قبل أن يأذنوا لنا نحن حفنة الصحافيين دون سائر الفلسطينيين من العبور إلى غزة.
لن أنسى ذاك الطفل المتورم الرأس بمرض السرطان، يقف تحت الشمس ساعات النهار، منتظراً من دون جدوى، عند المعبر من جهة غزة، أن يأتيه الإذن الأمني لدخول الأراضي المصرية، كي يسافر للعلاج. كان الطفل المريض يكشف حال غزة برمتها، مأساتها التي يشارك الجميع بصنعها واستدامتها.
منذ ذلك الحين، تغيرت إسرائيل على نحو أسوأ، ازدادت عنصرية وتطرفاً وجنوناً. تغيرت مصر بعد مبارك، ولم تتغير مصر الأمن والعسكر. تغيرت حماس إذ وجدت نفسها فلسطينية وحسب، هناك في مخيم اليرموك الدمشقي وهنا في أرض فلسطين. تغيرت السلطة الفلسطينية أيضاً إذ انتهت أوهام مفاوضة نتنياهو وليبرمان. تغيرت إيران التي تفاوض على حساب دماء وعمران المشرق العربي برمته. تغيرت سوريا التي لم يبق من نظامها سوى هذا الديكتاتور الصغير المتوحش.
لذا، ومن المرات النادرة، هذه حرب فلسطين ومن أجل الفلسطينيين. حرب لا أجندة فيها سوى مطالب الشعب الفلسطيني بالحرية والكرامة. حرب من أجل الحياة. ولذا، ومن المرات النادرة أيضاً، هي حرب الفلسطينيين وحدهم بلا محور ممانعة ولا محور اعتدال، وعلى الضد من سياسات عربية وإقليمية ودولية. حرب تخوضها حماس والفلسطينيون تحت شعار لنضع حداً للمأساة، ولنضع حداً لسفك الدم. أول حرب منذ انتفاضة الحجارة لا صفة لها ولا غايات ولا أهداف سوى تحقيق التطلعات المشروعة للشعب الفلسطيني، هي حرب بدأت وستنتهي بانتصار أخلاقي وسياسي على إسرائيل، ورغماً عن هذا المحور أو ذاك. لقد تفوقت حماس على نفسها، واكتسبت شرعية أهم بكثير من تلك الشرعية الإنتخابية التي كانت لها.
هي أول حرب، ستفضي على الأرجح إلى تثبيت الكيان الفلسطيني الواحد والمستقل، وستكون بعدها إسرائيل غير قادرة على الهروب من استحقاقاتها الكبرى، ومجبرة على مواجهة سؤالها الوجودي.
وحصيلة القول: ما عاد حصار غزة ممكناً، وهذا ما تدركه إسرائيل الآن. عسى أن يدرك الآخرون ذلك.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.