8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ملف شتاين التي لا تخبرنا شيئاً وتشيّع تاريخاً كاملاً

وصل غيرمو شتاين إلى المدرسة الثانوية في منتصف العام الدراسي. كان هذا الحدث كافياً لـيختلّ التوازن في عالم بابلو ريدورسا. هذا ما تصرّح به رواية ملف شتاين منذ البداية، وما سرديتها سوى معاينة أوجه هذا الإختلال بالتوازن، وتفاقمه شيئاً فشيئاً إلى أن يتكشف، تفصيلاً إثر تفصيل، عن إنهيار ذاك العالم الذي عاشه بابلو ريدورسا، التلميذ المراهق، في مدرسة تابعة لدير كاثوليكي إسباني، في حقبة أواخر الخمسينات على الأرجح.
بابلو، إبن جزيرة مايوركا، الشغوف بالتاريخ، سيصعقه تزامن وصول شتاين مع موت الأب اسكاراتيه بسكتة دماغية، التي هي بمثابة علامة غضب الله، طالما أن مارتن لوثر نفسه، المنشق عن الكاثوليكية، أصابته تلك الميتة الشنيعة. إذن، شتاين ولوثر وغضب الرب، يضاف إليهما هذا الشتاء الذي، على غير العادة، لا يتوقف فيه المطر طوال الوقت. لقد توضح بغتة خطر هائل يهدد سكينة الحياة ورتابتها، كما يهدد انتظام الأفكار والتصورات.
هكذا، بدا إسم شتاين كفحيح ثعبان أو كصوت رصاصة قبل أن تصيب هدفها. ومن هذا الشؤم الغامض، ستتفتح الرواية الصغيرة، بحوادثها الضئيلة، على مرثية خافتة لهذا العالم الإسباني الأوروبي، ابتداء من ذاك النظام التربوي اليسوعي الصارم، المرعوب من هيغل: انتبهوا. حين تخرجون من هنا سيكلمونكم عن هيغل. إن هيغل هذا لهو طفيلي مزعج، ومجرد بضاعة رديئة وسيئة الذوق، يقول الأب ناربال لتلاميذه.
يتسق مسار الرواية، على خطين متوازيين، الخط الأول هو الإكتشاف البطيء لشخصية شتاين وماضي عائلته، الذي يقود بابلو في الوقت نفسه ليكتشف أيضاً ماضيه هو وعائلته. والخط الثاني هو استطلاع التاريخ الأوروبي واستنطاق حوادثه، أو بالأحرى سرد انحطاطه، وإزالة إكليل الغار والمجد عنه. فهنا، في الدير ومدرسته، بل وفي إسبانيا الفرنكوية، ثمة تصور مقدس لأوروبا الملوك والسلالات الإمبراطورية، ثمة ثقافة تجمع بين العقيدة الكاثوليكية والفاشية، تجمع الإيمان المسيحي والتزمت الأخلاقي وتبجيل الحروب والمحاربين القدامى والأنظمة العسكريتارية. وسيكون جنون الأب ريباس المحب للمعارك البحرية، علامة على انهيار ذاك التصور، ففي حصة تدريس مؤتمر فيينا (جنازة أوروبا النابوليونية، حسب وصف ريباس)، سيبدأ هذا الأب برؤية هذيانية لسحالي تزحف على السقف. تلك الحادثة، وغيرها، تبثها الرواية بخفة وعلى نحو شبه عرضي، لتشير إلى ذاك الفزع القديم والمستمر، من هيغل إلى روبسبير إلى نابليون، والعداء المقيم للشيوعية واليسار، بل ولكل التحولات التي يأتي بها زمن ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي يمكن وصفها بأنها حقبة حلول الألوان المبهرجة، التي سيراها في ثياب شتاين وفي أثاث منزله، على عكس ألوان تلاميذ الدير الرمادية أو السوداء والبيضاء الكتيمة. ألوان وقحة هي نفسها التي سيراها بابلو في ملصقات الأفلام التي تزين واجهات دور السينما. لقد جاء عالم جديد فجأة وحط فوق حطام عالم قديم، كان الظن أنه راسخ ومتوازن أبداً، كما بنيان الدير ونظامه الصارم.
خطا الرواية بين التاريخ الإسباني الأوروبي والأسرار العائلية المكبوتة، سيقوداننا إلى رؤية الزيف والتزوير. فمن جهة سيرة عائلتي بابلو وغيرمو المترابطتين بجريمة قتل، وانتحال شخصية ولقب وهوية، ومؤامرات ودسائس، وتبديد إرث وهروب من وجه العدالة.. ومن جهة أخرى، ها هي غينيا ستنال استقلالها، وها هي الحرب في الهند الصينية، وها هي الدبابات السوفياتية تجتاح براغ، فيما الذاكرة عالقة عند معركة واترلو أو متأججة فخراً زائفاً بـالفرقة الزرقاء، المؤلفة من متطوعين إسبان وشاركت الجيوش النازية في الحرب الروسية.
يكتب خوسيه كارلوس ليوب روايته ملف شتاين، انطلاقاً من عبارة لروديارد كيبلينغ: أن تراها تنهار تلك الأشياء التي كرست حياتك من أجلها، فتشرع تبنيها من جديد بعدّة قديمة. على هذه الجملة الإفتتاحية، يبني ليوب كل روايته، وصولاً إلى تلك اللحظة التي يقول فيها بابلو أن تلك الحياة هي ربما أن لا نعرف شيئاً عن أحد، ولا حتى عن نفسنا، وأن نعيش كما لو أننا نعرف.
ضمناً، هي رواية غلبة الفوضى والألوان المبهرجة وتشابك الرذيلة بالفضيلة، على النظام، وعلى الرمادي، وعلى القداسة والبراءة. سينتهي العالم القديم المضبوطة روايته، ليبدأ آخر جديد عنيف ومنفلت، كما في خاتمة الرواية حين يموت شتاين ضحية هجوم مجموعة كوماندوس إرهابية فلسطينية في مطار روما.
ما يحدث لبابلو في زمن الرواية هو انتهاء زمن الطفولة والمراهقة، وسيعرف ذلك عندما يكتشف سر أبيه الطريد، ويصارحه خاله: يا بني، إن عالم البالغين مثير للقرف(...) إذا لم تكن وسخاً، فإن عالم البالغين سيوسخك. وإذا لم تكن وسخاً بالقدر الكافي، فسيحاول أن يوسخك أكثر. هذا هو عالم البالغين، وما بقي منه ليس سوى أغنيات.
وفي المحصلة، وقع الإختلال بالتوازن، ولم يبق من ذاك التاريخ الأوروبي الذي تعلق به بابلو، سوى ما جمعه من بطاقات بريدية وجنود الورق المقوى، ومنظار ورثه من الجد الأكبر، الجد الخرف الذي كان يظن أنه يرى دوماً عبر ذاك المنظار الراقصات البرلينيات السعيدات.
ـ صدرت الرواية عن دار نوفل ـ هاشيت أنطوان، ونقلها إلى العربية أدونيس سالم.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00