8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

يقال أن مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد قباني، الذي تحيطه هو ونجله الكثير من الشائعات عن فساد مالي وإداري، والذي تلاحقه الكثير من النمائم والإتهامات السياسية، وتلاصقه الكثير من الشبهات في علاقاته مع أحزاب وتنظيمات.. هذا المفتي، الذي يخاصمه الشطر الأعظم من اللبنانيين السنّة، والذي تعرض للطرد من مساجد بيروت أكثر من مرة، هو الذي أوعز لرؤساء بعض البلديات في لبنان أن يصدروا قراراً على شاكلة القرار الذي وزعه رئيس بلدية طرابلس، وفيه: إلى أصحاب المطاعم والمقاهي.. استعداداً لقدوم شهر رمضان المبارك. إن شهر رمضان المبارك شهر طاعة وتربية وتهذيب للنفس، لذلك، فإن بلدية طرابلس تلفت إنتباه جميع المقيمين ضمن نطاقها البلدي وخصوصاً المطاعم والمقاهي، لإحترام حرمة الشهر الكريم وخصوصية المسلمين الصائمين في عدم المجاهرة بالإفطار وضرورة التحلي بما يليق من الخلق الكريم الذي دعت إليه كافة الرسالات السماوية. رئيس بلدية طرابلس الدكتور نادر غزال.
شكل هذا القرار البلدي سابقة في الإدارات المدنية الرسمية اللبنانية، كونه يتعارض مع القوانين العامة، والدستور اللبناني، الذي يكفل حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية، بقدر ما يكفل الحريات العامة والفردية، وبالأخص حرية اختيار نمط العيش والتعبير والتنوع والإختلاف. وعليه، فإن ما أقدم عليه رئيس بلدية طرابلس، لربما متخطياً صلاحية وظيفته، هو اعتداء موصوف على القوانين والدستور، بل وعلى الأعراف والتقاليد المدنية اللبنانية، مستخدماً ألفاظاً وكلمات من نوع حرمة الشهر الكريم، وبما يليق من الخلق الكريم ليمرر أمره بـعدم المجاهرة بالإفطار. وأين؟ في مدينة متنوعة في طوائفها ومذاهبها ومنابت سكانها، ومختلفة ومتعددة المعتقد وأساليب الحياة. في طرابلس، العاصمة الثانية للبنان، في البلد الذي يضم 17 طائفة دينية وعلمانيين ولاأدريين، ووجوديين وملحدين..إلخ، وكلهم لهم الحقوق المتساوية ذاتها، في الطقوس وفي الإيمان وفي التعبير وفي مباشرة العيش وفق ما يناسب أفكارهم، من غير قمع أو زجر أو معاقبة، ولهم الحق في اعتناق ما يؤمنون به من غير إكراه أو قسر أو منع.
هذا الموظف المدني، انتهك مبدأ دستورياً أساسياً تقوم عليه الحياة اللبنانية برمتها، ويقوم عليه النظام السياسي: لبنان ليس دولة دينية. لبنان دولة مدنية متعددة الطوائف. وأي ممارسة أو قول أو قرار إداري يعاكس ذلك هو باطل قانونياً وتطاله المحاسبة.
الأهم من ذلك، أن رئيس البلدية هذا، نصّب نفسه مربّياً على مواطنين أسوياء، فعهد لنفسه مهمة فرض الطاعة على السكان وتربيتهم وتهذيبهم ، وليعلمهم هو الخلق الكريم، وليفرض عليهم سلوك التقية والنفاق والكذب والخوف والتحايل أيضاً، إذ يطلب منهم عدم المجاهرة بالإفطار، مفترضاً أن المجاهرة هي عمل غير أخلاقي، ورافعاً افتراضه هذا إلى سوية البديهة. وهذا هو عين الرياء والإفتراء، طالما أن ما يحرض عليه هو إما النفاق والكذب، أو فرض الصيام بالقوة والإكراه. وفي الحالين هذا ليس من الأخلاق بشيء. ولا نظنه من الدين وشرائعه.
طرابلس هذه عرفت في منتصف الثمانينات قيام ما يشبه إمارة إسلامية، فرضتها بالحرب والسلاح والإرهاب حركة التوحيد، وهي عمدت من أجل بسط سلطتها إلى ارتكاب المجازر بحق خصومها وبالأخص اليساريين منهم، وسببت هجرة كثيفة لسكانها، خصوصاً المسيحيين منهم، وعزلت المدينة عن محيطها، ما أدى إلى خرابها اجتماعياً واقتصادياً وانهيار مرافقها السياحية والصناعية، وتحول ميناؤها إلى مرفأ للتهريب، وانتكست أسواقها وركدت، وعم الفقر وانتشرت البطالة، وكثرت حوادث القتل والسرقة والجريمة والفوضى الميليشيوية، واستدعت تلك الإمارة حروباً أدت إلى دمار المدينة، وتفاقم تعاسة أحيائها الشعبية وخرائبيتها. في ذاك الوقت لم تهتم حركة التوحيد إلا بما اهتم به في وقتنا هذا الدكتور نادر غزال، أي فرض الطاعة والتربية وتهذيب النفس. ولم تستعد المدينة حياتها إلا بعد أفول حركة التوحيد ونبذ سكانها لتلك الفروض بالذات.
وعلى شاكلة التوحيد ورئيس بلدية طرابلس، كان حزب الله، الوليد في فترة الثمانينات، على النهج ذاته، يطارد خصومه من المناطق التي يسيطر عليها بالحرب والإغتيال، ويحاول فرض التشادور ويفجر دكاكين بيع الكحول ويفرض عدم المجاهرة، ويمنع الحفلات والموسيقى، وباقي تلك السلوكيات القمعية، وهذا ما جرّ عليه حرب الإخوة في الضاحية والبقاع والجنوب، ثم انتفاضة أهالي مدينة صور الذين طردوا حينها كل مناصري الحزب، ثم استدعى حروب الميليشيات والعشائر عليه في بيروت والبقاع، ما أفضى إلى خطر اختناقه، ومواته.. إلى أن استدرك أن شعاره الجمهورية الإسلامية في لبنان لن يؤدي به إلا إلى التهلكة، فسلك ـ ولو تقية ونفاقاً ـ مسلك التعايش مع الحقيقة اللبنانية، وثقافة احترام خصوصية الجماعات والأفراد، وهو اضطر إلى مقايضة أساسية مع طائفته، أي مع المجتمع الذي يحتضنه، كي تُكتب له الحياة والإزدهار: لك حرية نمط العيش والسلوك والمعتقد والملبس والطقوس.. مقابل منحي التفويض السياسي والحربي. ولولا تلك المقايضة لكان حزب الله على الأرجح أحد أصغر الحركات السياسية وأضعفها تمثيلاً، وربما كان حزباً شبه سري ومنبوذاً.
ولأن طريق جهنم معبدة بالنوايا الحسنة، على افتراض أن نوايا المفتي ورئيس البلدية الطرابلسي حسنة، ولأن الوحش يولد أولاً كنطفة، فإن أولى نتائج ذاك القرار البلدي السيء الذكر، أن تجرأ أحدهم، متغطياً بـاحترام حرمة الشهر الكريم، وألقى قنبلة على رواد مقهى يجاهرون بشرب القهوة نهاراً، ليصيب أربعة أشخاص منهم بجراح. ويستطيع صاحب هذه الجريمة أن يتعلل بما صدر عن بلدية طرابلس كحجة قانونية وشرعية، منفذاً أمر فرض الخلق الكريم. وبهذا المعنى يستجر منهج فرض الطاعة والكلام عن مراعاة مشاعر الصائمين في طرابلس، إرهاباً معنوياً لا يلبث أن يصير إرهاباً عملياً، كما تخبرنا كل التجارب. بل ولا تتناقض أخلاق الدكتور غزال مع ما أعلنه ما يسمى لواء أحرار السنّة عن تكليف مجموعة من مسلحيه تطهير البقاع خصوصاً ولبنان عموماً من كنائس الشرك والصليبيين ووقف قرع الأجراس، إذ لربما في معتقد السيد غزال يكون قرع الأجراس غير متناسب مع مشاعر المسلمين الصائمين.
هكذا تنفتح أبواب الفتنة، حسب رطانة دارجة، بقرار بلدي وحسب (كرمى عيون مفتي الجمهورية المغضوب عليه)، قرار تحريضي يضرب مبدأ المساواة بين حرية الصوم وحرية اللاصوم، وتتسلل عبره تنظيمات وعسس مخابرات وعصابات إرهاب، متسترة بـالنهي عن المنكر والأمر بالمعروف، فينفلت الأمن ويعم الموت والقتل والخوف والإرهاب وتحل الكراهية والضغينة، وتبدأ الهجرات وتنكب المدينة بالنزوح.. وترتاح سريرة رئيس البلدية بأخلاقها الرفيعة وإيمانها العميق.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00