استفظع العالم، أي مئات الملايين من المشاهدين والمشجعين، فعلة اللاعب الأوروغواياني لويس سواريز أثناء مباراة منتخبه مع إيطاليا. أقدم على خرق حدود اللعبة ومخاشناتها ومستوى العنف المباح. عضّته للاعب الإيطالي جورجيو كيلليني بدت عنفاً خالصاً وصريحاً، طالعاً من رواسب الغريزة الحيوانية، بلا أي كبت أو ضبط. من هنا جاء الإستفظاع، أن يطلق سواريز عنان تلك الغريزة علناً، وأن تكون العضة هكذا مرئية عبر شاشات العالم، في ذروة البث المعولم.
والذي حمل العالم على استنكار تلك الفعلة، واستهوالها، هو خطر الإرتداد إلى العنف وتوسله، ليس فقط بين لاعبي كرة القدم، بل أيضاً عودته إلى مدرجات المشجعين، وتعميمه تلفزيونياً ومشهدياً في العالم بأسره، في اللحظة نفسها التي تسعى فيه كرة القدم إلى كبت العنف وإقصائه من السلوك ومن الصورة. كرة القدم التي تطمح أن تكون مثالاً لحضور الهويات والإختلافات والأعراق والثقافات، تلاقياً وتبارياً وتنافساً بلا عداوات ولا ضغائن، وبأكبر قدر من التسامح والود والروح الرياضية، ونموذجاً سياسياً للعلاقات ولإدارة الصراعات، هددها ذاك العنف البدائي الذي أظهره سواريز. هذا بالضبط مصدر الإستياء من تلك العضة.
بمعنى آخر، عضة سواريز تعاكس طموح كرة القدم، أو طموح الحضارة والتمدن في نفي العنف عن علاقات البشر، والسيطرة على النزاعات والمنافسات بواسطة مضبطة للسلوك وقواعد للعب وقوانين للتباري. وبما أن هذه اللعبة أصبحت مجاز العالم، ومجاز الحرب (وبدلاً منها)، فهي أيضاً مسرحه الأخلاقي، ومرآة معولمة لصيرورة التمدن والرقي، والترفع عن العنف، ومعيار انتصار الإنساني في كينونة البشري.
حتى أواخر الثمانينات، وعلى الرغم من أن كرة القدم هي أساساً ترويض للعراك والقتال، واستبدالاً تنفيسياً للحرب والعنف، فقد كان مشهد مدرجات المشجعين، استعراضاً مخيفاً للعصبيات القومية أو المحلية، ومكاناً خطراً لصدامات الكراهية والعنصرية والعنف المجاني، ومطرحاً لتفجر غرائز الضغينة والمكبوتات الإجتماعية. كانت الفرق أيضاً تعكس هكذا عصبيات وتغذيها، خصوصاً في المنتخبات الوطنية، التي كانت تستدعي التعصب القومي والجهوي والعنصرية العرقية. كانت المدرجات منقسمة بوضوح بين مشجعي كل فريق، بحدود محروسة برجال الشرطة والأمن. ما كان يمكن أبداً أن يختلط المشجعون، أو أن يجلسوا بجانب بعضهم البعض.. فهذا كمن يجاور النار والبارود.
لكن ومنذ التسعينات، حدثت تطورات هائلة، يمكن أن نعزوها للعولمة ولثورة الإتصالات وللتحولات الديموغرافية والإجتماعية المصاحبة للهجرات الكبرى، خصوصاً في أوروبا، كما للثورة الثقافية المتمثلة في تعميم قيم التسامح والإختلاط والتعايش والإندماج، ما أوهن كثيراً الشوفينية والعصبية القومية، طالما أن الهوية الوطنية الواحدة طرأ عليها الكثير من التحول والتلون الإثني والديني والثقافي. وقد ترجمت كرة القدم كل هذا، بأفضل صيغة ممكنة. الأندية المحلية اليوم بالكاد تضم في صفوفها لاعبين محليين فقط، بل أن كل نادٍ يضم اليوم لاعبين من جنسيات شديدة التنوع والإختلاف، خصوصاً بعد تعديل القوانين التي كانت تضع حداً معيناً للاعبين الأجانب في كل فريق. هذا التحول فرضه منطق السوق كما فرضته السياسات المناهضة للشوفينية. بهذا المعنى يمكن لليمين الفرنسي المتطرف مثلاً أن يرى أسوأ كوابيسه وهو يشاهد تشكيلة المنتخب الفرنسي اليوم، الذي يكاد يكون أفريقياً أكثر منه غالِياً. وبهذا المعنى أيضاً نرى الإلتباس في الإنتماء لدى اللاعب الواحد، كما في حالة دياغو كوستا، البرازيلي الأصل، الذي رفض الإنضمام للمنتخب البرازيلي وفضل منتخب جنسيته الإسبانية المكتسبة، كذلك حال جيروم بواتينغ الغاني الأصل، الألماني اللعب، أو حال الكثير من التونسيين والجزائريين والمغاربة والأفارقة، من أبناء المهاجرين، الذين ينتمون إلى منتخبات البلاد التي يعيشون فيها.
هكذا، ما عاد المشجعون والجمهور والمشاهدون يرون في فرقهم الوطنية استحضاراً لعصبية قومية أو صورة لمعتقدات عنصرية. لقد سلبت كرة القدم منهم أسباب العنف ومناسباته، بات التعصب بحدود اللعب أو ضمن لياقات التشجيع، التي تفرض قدراً كبيراً من التسامح، وتعوداً على التناوب بين الخسارة والربح. ما عادت كرة القدم ذريعة أو تمثيلاً للكراهيات والعنف. أصبحت أكثر كمناسبة كرنفالية واحتفالية، وأكثر تمثيلاً للياقات التمدن، لتفوق الأخلاق على الغريزة، وامتحاناً للسلوك في ذروة التنافس والمنازعة.
حتى على مستوى اللعب نفسه، تغيرت القوانين منذ التسعينات تقريباً، فمن يشاهد اليوم مباريات الثمانينات والسبعينات وما قبل ذلك، سيفزع من مستوى الصدامات العنيفة بين اللاعبين آنذاك ومدى الأذى وخطورة الإصابات التي كانت تنزل بهم. لم تكن حماية اللاعبين على القدر التي أصبحت عليه اليوم. السياسة التحكيمية باتت متشددة جداً في الصدامات العنيفة، الإنذارات وطرد اللاعبين العنيفين ومعاقبتهم هي اليوم سياسة لا تهاون فيها، صوناً لـاللعب النظيف. والأهم من ذلك، أن الفيفا والإتحادات المحلية، بذلت جهوداً واضحة طوال عقدين، خصيصاً لمحاربة كل أشكال العنصرية، مع سياسة عقابية متشددة تجاه الجمهور واللاعبين في آن واحد.
أفضل ما يقدمه لنا اليوم مونديال البرازيل، هو مشهد المدرجات، الذي يمكن اعتباره انتصاراً لروح التسامح، ولاقتراح كرة القدم كنموذج سياسي للعالم. كل جنسيات العالم، كل المشجعين ومهما كانت قوميتهم أو هويتهم الكروية، نراهم سوية مختلطين ومتشاركين ومندمجين بلا تمييز. معاً في كل المدرجات لا حدود أو حواجز تفصل بينهم، يحتفلون ويرقصون ويهتفون، كل لفريقه من دون أن يثير ذلك حفيظة الجالس بجواره بل ولا خوف منه. تبدد تقريباً مشهد عصابات المشجعين المتكتلين بوجه عصابات أخرى. تبدد أيضاً مشهد الشغب داخل الملاعب وخارجها. الخوف من العنف، ومن مبررات الحض عليه، باتا في أدنى درجة ممكنة. هكذا المباراة الواحدة هي الآن مناسبة للمتعة لا مناسبة للحرب، مناسبة للتعارف لا مناسبة للتعارك. من كان يتخيل رؤية مشجع أرجنتيني يجلس بجوار مشجع برازيلي، أو مشجع إيطالي بجوار مشجع إنكليزي. من كان يتخيل واحداً من أشهر لاعبي ألمانيا يقود منتخب أميركا ضد منتخب بلاده بالذات؟
أغلب الظن، أن كرة القدم انقلبت من مناسبة طقوسية للنشوة القومية إلى قاتلة للشعور القومي، علاوة عن فعاليتها في تبديد العنف.
لهذه الأسباب مجتمعة، كانت فعلة اللاعب سواريز شاذة ومستنكرة بشدة واستحوذت على اهتمام إعلامي استثنائي. إنها تذكير أليم ببدائية خطرة تهدد صورة العالم الذي رسمته كرة القدم. ولهذا السبب تعرض سواريز لأقصى عقوبة تفرضها الفيفا على لاعب في تاريخ كأس العالم (منعه من أي نشاط كروي طوال أربعة أشهر، ومنعه من اللعب تسع مباريات دولية، وغرامة مالية باهظة). بدا سواريز هو داعش المونديال البرازيلي.
هنا، وما يهمنا من كل ذلك، أننا في اللحظة التي نرى فيها العالم متجهاً باطراد نحو حياة أقل عنفاً، ولا يتحمّل عضّة واحدة، نرى أيضاً هذا المشرق العربي، هذا الشرق الأوسط الملعون اليوم بـداعش وأشباهه، يعاكس التاريخ ومسار المدنية ومظاهر الحضارة وقيمها، متجهاً، على نحو جنوني وهستيري، إلى أقصى وأشنع أنواع العنف، ومنجرفاً نحو أفظع حالات القتل الجماعي ورغبات الإبادة، ونحو أشد العصبيات تطرفاً وظلامية وكراهية.
لذا، ليست صدفة أننا غير مؤهلين بعد أن نشارك في مونديال، غير مؤهلين أن نكون لاعبين أو مشجعين. نحن حتى الآن مؤهلون للموت أو التشرد أو القتل والإنتحار. نحن آخر عنف العالم، عضّته السامة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.