إنه صباح يوم الجمعة. فنجان قهوة وتلفزيون محلي يخبرنا عن إلغاء مؤتمر، كان سيحضره رئيس مجلس النواب، لأسباب أمنية. يبدو أن هناك معلومات عن محاولة لاغتيال الرئيس نبيه بري.
أنطلق إلى العمل. طوال الطريق سأصادف دورية شرطة هنا، عناصر أمنية منتشرة هناك. رجال وكلاب بوليسية يدورون من رصيف إلى آخر. رجال أمن متوترون على دراجات نارية في مختلف الإتجاهات. يبدو أن هناك مطاردة محمومة تجري بين القوة الأمنية ومجموعة إرهابية في شوارع بيروت. يشعر الجميع بذلك، وتبدأ السيارات بـانهيارها العصبي، تندلع الأبواق، تزداد السرعات المتهورة. الخوف على الإسفلت وفي الفضاء. المدينة ترتجف وتتوجس. محطات الراديو لا تقول شيئاً، وأفكر: الطريق التي سأسلكها كلها خطرة، سأمر بالقرب من مقر فرع المعلومات التابع لقوى الأمن الداخلي. إنه أخطر فرع أمني وممقوت جداً من قبل النظام السوري، وكذلك من قبل المجموعات الإرهابية على اختلاف أنواعها. بل إن قائده اللواء وسام الحسن تم استهدافه واغتياله بسيارة مفخخة في أواخر العام 2012.
أمر مسرعاً بالقرب من فرع المعلومات المحصّن كقلعة حربية. تباً، فعلى بعد مئتي متر، هناك مقر لجهاز أمن الدولة يجاوره مركز تجمع للجيش اللبناني. هدفان محتملان لأي عمل إرهابي في نقطة واحدة. لا مجال لتحاشي العبور من هناك. برباطة جأش أمرّ بهدوء، بشيء من اللامبالاة الإرادية. أنعطف إلى طريق السوديكو وانطلق. يا للعنة، أمامي الآن المركز المستحدث لمديرية الأمن العام. أفكر: بالتأكيد هذا هدف سهل للإرهاب، كونه يقع على الطريق العام مباشرة، ومن الصعب حمايته. هل سيكون حظي سيئاً إلى حد أن يحدث شيء في اللحظة نفسها لمروري من هنا؟
أجتاز المسافة الخطرة بسلامة. لكنني الآن بالقرب من وزارة المالية. ربما أيضاً تكون هدفاً. لما لا، فالإرهابيون عشوائيون تقريباً، يبحثون عن هدف سهل وله رمزية سياسية وسيادية في آن واحد. أتوتر قليلاً. أشعل سيجارتي الثالثة في ظرف ثلاثين دقيقة. أترك وزارة المالية خلفي لأجد أمامي سيارة تحمل لوحة زرقاء (مجلس النواب). يا لحظي اللعين. ماذا لو كان هذا النائب هدفاً لاغتيال الآن؟ أبطئ من سرعتي واتخذ ناحية اليمين، آملاً أن تبتعد عني هذه السيارة الفخمة التي قد تتحول إلى فحمة مشتعلة في أي لحظة.
أدخل إلى وسط المدينة، وأرى من بعيد حاجزاً أمنياً مرتجلاً، يوقف كل سيارة رباعية الدفع سوداء اللون. إذاً لديهم مواصفات السيارة المشبوهة، أقول لنفسي. أقلّب موجات الراديو. خبر عاجل: القبض على شبكة إرهابية في أحد فنادق منطقة الحمرا، برأس بيروت. يغمرني شعور عابر بالرضى. انتصار صغير في هذه الحرب الخفية المستمرة منذ عقود. أشعر أني سأبقى على قيد الحياة، اليوم على الأقل.
لكنني، أتساءل: قبضوا على الشبكة وليس على السيارة المشبوهة، التي قد تكون حتى الآن تتجول في شوارع بيروت باحثة عن هدف. ربما الخطر ما زال قائماً. بل إن سائق تلك السيارة المفترضة، قد يكون قد علم بما حدث لرفاقه، وبات يائساً وانتحارياً أكثر من ذي قبل. علي أن أصل إلى مقر عملي بأسرع وقت ممكن. ولا طريق إليه سوى عبر خط برج المر، أي عليّ المرور بالقرب من السراي الحكومي، ثم المرور بجوار ثكنة الجيش في البرج نفسه، وبمحاذاة مركز تيار المستقبل المستهدف دوماً وأبداً. هذه الطريق مزروعة بنقاط جذب كل من يريد تفجيراً. لا مفر.
أعود إلى تلك اللامبالاة الإرادية، إلى الشعور بالخدر، والطمأنينة المزيفة القائمة على الإستسلام الصامت للقدر. وأفكر: زوجتي آمنة في المنزل. أتصل بإبني السارح على هواه في شوارع الحمرا برفقة صديقته. أسديه تلك النصائح الساذجة، إحتياطات أمنية، لا تذهب إلى الأماكن العامة، التزم حرم جامعتك، عد باكراً إلى المنزل.. إلخ.
أخيراً أنا في المكتب. أفتح التلفزيون: انفجار سيارة مفخخة عند حاجز للقوى الأمنية، في منطقة ضهر البيدر، نقطة العبور الاستراتيجية من البقاع إلى الجبل وبيروت. قتلى وجرحى ورعب وخراب. طرق حيوية في بيروت وبالضاحية الجنوبية باتت مقفلة. اعتقال عضو في تنظيم القاعدة في منطقة الطريق الجديدة ببيروت. أخبار عن أن التفجير كان يستهدف قائد الأمن العام. شائعات عن سيارات مفخخة أخرى جوّالة.
ها نحن مجدداً أمام الكابوس، المستمر منذ خريف العام 2004، اغتيالات وتفجيرات وسيارات مفخخة. لا نجاة من المصير القاتم، لا مجال للهروب من هذه الروليت الروسية القسرية، التي هي بسعة بلاد كاملة. أتذكر تلك اللحظة التي انفجرت فيها أطنان الـ تي أن تي يوم 14 شباط 2005، ليبدأ معها مسلسل القتل والرعب، وتتلاشى مناعة لبنان مجدداً أمام العنف ودوامة الموت العشوائي.
ها نحن، من بيروت إلى كراتشي، مروراً بكل المدن السورية والعراقية .. بلا حدود، في أتون هذا الجنون الأقصى من حروب لا فقه لها ولا شريعة ولا أعراف أو قوانين، حيث يختلط إرهاب الأنظمة وإرهاب التنظيمات وإرهاب الأهل وإرهاب العصبيات وإرهاب المخابرات.. المتشابكة في متاهات جيوسياسية ودينية وأيديولوجية، ما من أحد يحل عقدها وتداخلها المظلم. وحيث هناك ثورات أو ما من ثورات، وحيث هناك مفاوضات نووية، أو مشاريع نفطية وغازية، وحيث هناك قحط ولا شيء، وحيث هناك استبداد لا يطاق وشعوب مقهورة، كما حيث هناك الدولة الضعيفة والممزقة بين مذاهب وملل، متحاربة بتهويماتها عن الخلاص، القائم على إفناء الآخر.
مع ذلك، ها أنا في المكتب أمارس عملي كالمعتاد، وأخطط لسهرة المساء، متمتعاً بمشاهدة مباريات كأس العالم، مطمئناً لمخططي الذي أعدّه لإبني، ما أن ينهي دراسته الجامعية: إذهب إلى حيث العالم يعيش، بعيداً عن هذا الشرق الأوسط اللعين. نجاتك هي تعزيتي الوحيدة لأربعة عقود قضيتها متلاعباً مع الموت.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.