8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

إما المستبد العسكري القاتل وإما الإرهابي الإسلامي الذابح

من الخمينية إلى البن لادنية، وما بينهما الصدامية والأسدية والقذافية، مسار مبتدئ من أولئك الضباط الصغار الريفيين وانقلاباتهم منذ سبعين عاماً، ومتصل بضغائن الطوائف وأحقاد المذاهب، كما برهاب الأقليات الفتّاك وبطش الأكثريات القاتل.. مسار مبتدئ بـممانعة دينية إسلامية عميقة، وممانعة أيديولوجية فاشية فاجرة. ممانعتان ضد التاريخ وضد العالم، ولا تقترحان سوى التقاتل والتذابح، في ملحمة دموية لا تتوقف إلا بإفناء الذات والآخر، والإنتحار الشامل.
كان الرد من الممانعتين على الرؤيا التبشيرية الأميركية بإنهاء الديكتاتورية وبناء الديموقراطية في العراق، كحجر أساس ونموذج للمنطقة كلها، أن صنعتا أبو مصعب الزرقاوي، ومقتدى الصدر وأشباههما، وأغدقت إيران الحرسية بالمال والسلاح والمتفجرات على زمرها في العراق من الإنتحاريين والإرهابيين ومجاميع الهستيريا المذهبية، وانخرط النظام السوري بجمع وتأليف وتدريب وتمويل مجموعات القتل والتفجير من بقايا مجرمي صدام حسين، ومن متطوعي تنظيم القاعدة الآتين من كل جهات الأرض، منظماً تهريبهم إلى العراق، وإيوائهم في معسكراته، فيما تكفلت مؤسسات وجمعيات سلفية وأصولية مهووسة، في دول خليجية، بضخ أرقام فلكية من الأموال كما من المتطوعين، للقتال والجهاد.
تحت شعار مقاومة الإحتلال، ومن الفلوجة إلى البصرة، ابتدأت حرب الجميع على الجميع، مجزرة لمئات الآلاف لم تنته بعد. وكان محتماً الفشل الأميركي. لكن بالتأكيد كان ذلك الفشل يعني القضاء على مشروع بناء الدولة العراقية، وتمزيق المجتمع العراقي بأشنع الصور، لتحويله الفظائع اليومية إلى مجتمع مريض بالعنف، موقوف على اليأس، مهيأ للإنتحار، ولا يعتاد سوى على الموت وخيالات القبور.
لم تكن مقاومة الإحتلال سوى تعبير عن حرب مذهبية مصطنعة، وموغلة بالذبح القروسطي، تخوضها دول المنطقة كلها على الأرض العراقية، خوفاً من ذاك العراق الذي تخيله الأميركيون السذج. لقد تم فرض الهمجية من قبل تلك الممانعتين، على المشرق العربي، صوناً للنظام الخميني في إيران، وحفاظاً على الاستبداد في الدول الأخرى، وحماية لـفقه الظلام والبداوة.
وكما لا شيء إسمه تنظيم القاعدة إلا كشعار تستطيع أي مجموعة متعصبة تبنّيه، أو حتى فرد مجنون إدعاءه، أو جهاز استخبارات استعارته (فتح الإسلام مثالاً)، كذلك هي اليوم داعش. هي الوحش أو المسخ الذي ولد من طبخة سم الممانعتين. هو العشائر والمذاهب والقتلة والمجرمون والسلفيون وقطاع الطرق والمتبطلون وطوابير المخابرات الكثيرة، وفتيان الشوارع، وطلقاء سجون الأنظمة وزنزاناتها، وبعثيون سابقون، وجنود سابقون، ومجاهدون مغتربون... بل لنقل أنهم بقايا مجتمعات تم تمزيقها والإيغال في دمها وفي فقرها وفي أمّيتها وفي مذلتها ومظلوميتها.
أنبثقت داعش من تلك الهوة السحيقة التي يقبع فيها العراق، حيث ما يسمى نخبة كانت قد سلمت دولتها للحرس الثوري الإيراني، وانكبت على أفضح أنواع الفساد والنهب، وأسست جيشاً مترعاً بمذهبيته المتعصبة، واستدامت فوضى متفاقمة منذ الإنسحاب الأميركي، وبنت استبداداً جديداً ينهل من تراث الصدامية البعثية، ويضيف إليه تمييزاً طائفياً فاقعاً، والأسوأ أنه يفتقد للإنضباط والسيطرة اللذين تميزت بهما الديكتاتورية البعثية.
إلى جانب داعش وجبهة النصرة أتت جحافل عصائب أهل الحق وألوية أبو فضل العباس وفرق حزب الله، سوية للتذابح، ولذبح الآخرين في الوقت ذاته. الإنقضاض على الثورات الشعبية، وعلى الأقليات وعلى الدولة وعلى المدن.. وعلى آبار النفط ومال النفط. حرب مذاهب وعشائر وإثنيات لا نهاية لها ولا أعراف فيها.
داعش هي انتصار ساطع لـالممانعة بجناحيها، ولمقولتها: هذه المجتمعات لا تستحق الحرية ولا العدالة ولا المساواة ولا حتى الشفقة. لا شيء يحول بينها وبين تخريب العالم كله سوى ديكتاتورية إجرامية، لا تتورع عن استخدام الأسلحة الكيماوية وإبادة السكان. فانسوا مبادئ حقوق الإنسان والديموقراطية.. هؤلاء لا يعرفون الإنضباط إلا بالسوط والرصاص والإذلال اليومي والإعدام الفوري. بهذا المعنى، داعش هي رسالة بشار الأسد وحزب الله والحرس الثوري الإيراني وأيمن الظواهري ونوري المالكي وأبو بكر البغدادي، إلى العالم: هذه شعوب منذورة لـولي أمر سيّاف بطاش، وإلا انفلتت كالوحوش.
مسخ البربرية الذي ولد في أحضان الممانعة الفاشية والممانعة الدينية، ها هو يفتك بسوريا وبالعراق، تماماً كما أراد نوري المالكي تخويفاً، وأراد بشار الأسد ترهيباً، وأرادت إيران ابتزازاً.. وانجرفت فيها مجتمعات أهلية نحو تحطيم ذاتها، وتدمير جيوشها النظامية، وحرق اقتصادها، وتخريب ما تبقى من عمرانها، وتصحير بلادها.
سنّة وشيعة، تكفيريون وحزب اللهيون، سلفيون وأصوليون، يتولون اليوم تمزيق خارطة سايكس ـ بيكو، وبالتأكيد لا طمعاً بـوحدة أو تكامل أو إلغاء لـحدود مصطنعة، بل للعودة القهقرى نحو زمن الولاة والأمراء والسناجق والدويلات القائمة على السلب والنهب والغزوات والمجازر وقطع الرؤوس والأيدي وسبي النساء وفرض الجزية والأتاوات، وحيث السكان، كما يخبرنا التاريخ، ليسوا سوى عشائر وملل لا تتوقف عن التمرد والفوضى والتدمير.
داعش هي جواب الممانعة على ثورات الحرية: إما المستبد العسكري القاتل وإما الإرهابي الإسلامي الذابح. فلا تحلموا بغير ذلك.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00