تبدأ النسوة بتكنيس الشارع وشطفه بالماء. هنا، في الزاروب الضيق بالنبعة (من ضواحي بيروت الشرقية)، وكان ذلك في صيف العام 1974. الرجال العائدون بعد نهار طويل في العمل، بدأوا بوضع الكراسي الصغيرة والطرابيزات عند حافة الشارع، فيما آخرون صعدوا إلى السطح ليضبطوا الأنتين. لا أتذكر من كان يملك التلفزيون الذي وضعوه عند مدخل البناية موجهاً نحو الشارع. وضعوا حصيرة كبيرة لنجلس عليها نحن الأطفال. ربما كان هذا أول نقل مباشر لمباريات كأس العالم. وكان لبنان وقتها فخوراً بمحطة العربانية التي تلتقط بث الأقمار الاصطناعية، والتي حسبما أذكر دشنها رئيس الجمهورية سليمان فرنجية، واعتُبرت واحدة من إنجازات عهده.
النسوة رحن يوزعن فيما بينهن البزر الصغير، بعدما وضعن صواني القهوة والفاكهة. الرجال منقسمون بين تشجيع ألمانيا أو هولندا. ثمة كلام كثير أيضاً عن بيليه، عن يوهان كرويف، عن موللر، عن لاعبين كثيرين ما عدت أتذكرهم. ولم يكن قد مضى وقت طويل على الهرج والصخب الذي رافق أيضاً مشاهدة مباراة ملاكمة لمحمد علي كلاي. بل لم يكن قد انتهت بعد تلك المعارك الكلامية عن مباريات المصارعة الحرة، التي كانت تجري كثيراً في لبنان آنذاك.
الصورة بالأسود والأبيض. ونحن الأطفال، رحنا ننحاز إلى ما ينحاز إليه آباؤنا، نصفق حين يصفقون، ونرفع الآهات عندما هم يطلقونها. فعلى الرغم من قضائنا معظم أوقات بعد الظهر من كل يوم في لعب الكرة هناك في البورة الترابية، إلا أننا لم نكن نفقه شيئاً من فن مشاهدة مباريات حقيقية. منذ ذلك الوقت انتبهتُ أيضاً، أن النسوة لم يكنّ مهتمات فعلياً باللعبة، ثمة مسايرة منهن لرجالهن وحسب، طالما أنهن كن يثرثرن جانبياً فيما بينهن، والرجال يحاولون مرات عدة إسكاتهن، في اللحظات التي تبدو فيها مجريات اللعبة عصيبة ومشوقة.
ما كان حينها لدى الناس أعلام وشارات فرقها المفضلة، لم يكن أحد يزين شرفته بعلم المنتخب الذي يشجعه، بل لم تكن نصف البيوت على الأقل تمتلك جهاز تلفزيون. ولم يكن متاحاً أن نتابع حقاً ما يجري في عالم كرة القدم إلا في مناسبات قليلة يبثها تلفزيون لبنان.
في ذاك العام، فازت ألمانيا بكأس العالم. هؤلاء الطوال القامة، الشقر، الأقوياء والمتفوقون.. أبناء أوروبا، تلك البلاد التي نتخيلها خالية من الكدر والشقاء، المليئة بالمتع والملذات ورغد العيش والنظافة والترتيب، ولا يعوز ناسها شيء. ونحن أبناء النبعة الفقراء، المترعين بأحلام العيش الأوروبي والمتحسرين من حرماننا من كل ما نتخيله ونراه صوراً عن أوروبا.
بدا الألمان الذين يقال عنهم عندنا أنهم الأذكياء والشجعان والعباقرة، المتفوقون في كل شيء، هم نموذجي ومثالي، الذين أود التماهي معهم. ولا سبيل إلى ذلك سوى أن أشجع منتخبهم في كرة القدم، ليمنحي هذا التشجيع شعوراً بالإنتماء إليهم، والإنضواء في تلك العصبة الكونية التي تتيح لي القول: نحن الألمان.
لم يتسن لي مشاهدة مونديال 1978، وما عدت أتذكر الأسباب.. ربما كانت الحرب وأحداثها، أو لأن أمي منعتني من ذلك كي أحضّر نفسي لامتحانات السرتيفيكا (الخامس ابتدائي). لكن، في تلك السنوات كان تلفزيون لبنان يبث أسبوعياً شريطاً من إنتاج ترانستيل الألمانية، يوجز مجريات الدوري الألماني في كرة القدم، حين كان فريق نادي شتوتغارت هو الأقوى.
هذا ما جعلني ألماني الهوى في كرة القدم، التي ما عدت ألعبها منذ أن تهجّرت من النبعة، وبت أخجل وأتعالى على ذاكرة الطفولة الفقيرة والبور الترابية القذرة. فكيف ألعب وليس لدينا ملاعب كتلك التي في ألمانيا؟! هكذا استبدلت اللعب، بشدة التشجيع والحماسة للذين هم جديرون باللعب، الذين لديهم ملاعب يفتخرون بها، أولئك الألمان.
بدأت الحرب الكبيرة قبل أسبوع تقريباً من بدء مونديال 1982. أنا في جبهات القتال، بعيداً عن التلفزيونات. لا كهرباء (ولا ماء)، وحتى المحطات الإذاعية كانت منشغلة في سير المعارك. أنتظر مع رفاقي أن يأتي أحد من الخطوط الخلفية، كموزع المؤن مثلاً، كي يخبرنا بنتيجة المباريات. في الليالي الهادئة، كنا نسمع بعض الصيحات الخافتة من البنايات المجاورة، تلك الأصوات الخاصة بالذين يشاهدون كرة القدم، ذاك الإيقاع المميز لصخب التشجيع وسكناته، فيزداد غيظنا وحسدنا لهؤلاء المحظوظين. وكان عليّ أن أنتظر أيام الإستراحة من الجبهة، كي أذهب إلى مركز الحزب، حيث الجميع متحلّقين حول تلفزيون صغير يشغلونه على بطارية سيارة. تلك التقنية التي راجت حينها، كي يتابع فيها الجميع بطولة العالم، رغم أنف الجيش الإسرائيلي. يومها كرهت البرازيل وإيطاليا. في ذاك الوقت، لا قبله، اكتسبت ذاك العداء لهذين المنتخبين، الغريمين الأبديين لألمانيا.
1982 هو عام هزيمتنا، ألمانيا في كرة القدم، ونحن في الحرب. هكذا تضاعفت آصرة انتمائي وشعوري بوحدة الحال مع منتخبي. وتفاقم حقدي على إيطاليا، التي ستتحول منذ ذلك الحين إلى علامة نحس لنا. فإذا ما وصلت إيطاليا إلى النهائي، فثمة كارثة أو حرب ستقع في بلادنا. وقد تأكد هذا الأمر خصوصاً عام 2006، حين فازت بالكأس، فاندلعت حرب تموز.
لن أنسى نهائي 1986، ألمانيا بمواجهة الأرجنتين. رومنيغيه ومارادونا. في البداية يتفوق الأرجنتينيون بقيادة ذاك العبقري مارادونا (رغم مكابرتي) ويسجلون هدفين في مرمى الحارس الأسطوري شوماخر. لكنها ألمانيا التي لا تستسلم، التي ستندفع بكل عنادها وجبروتها وروحها الصلبة واجسام لاعبيها الجبابرة، فيسجلون هدفين متتاليين. وتبدأ بعدها معركة الدقائق الأخيرة الطاحنة... إلى أن يأتي ذاك الفذ، القصير القامة، مارادونا، بلمسة سحرية واحدة ويمرر تلك الكرة القاتلة إلى زميله المنفرد أمام المرمى.
مجدداً، وفي اللحظة التي نعد فيها أنفسنا بالمجد، تنزل الهزيمة على رؤوسنا. وكم باتت بعيدة أيام 1974 حين ظفرنا بالكأس لآخر مرة. لكنها ألمانيا، التي نهضت من ركام الحرب العالمية الثانية، ستتخطى هزيمة 1986 وتثأر من مارادونا بالذات وتفوز بالكأس عام 1990.
منحني الفريق الألماني الكثير من لحظات مجد الإنتصار، ولحظات هوان الإنكسار والخسارة (آه على نهائي2002 بمواجهة البرازيل). كان هو دائما موجوداً، لا يغيب. وكنت دائماً عند حسن ظنه، حاضراً بكل جوارحي، مستعداً حتى لمخاصمة زوجتي، مشجعة الأرجنتين وفرنسا وإسبانيا.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.