في لحظة ازدهار الرواية العربية، اكتمل انهيار المدينة العربية ودولتها. هذه مفارقة كبرى تعاكس التجربة التاريخية لفن الرواية. تلك خاصية عربية حتى الآن: رواية موت المدن وخراب العمران وتمزق المجتمع وانهيار الدولة الوطنية وهيمنة العنف وانحطاط السياسة.
يمكننا أن نتحدث أيضاً عن خاصية استثنائية أخرى للرواية العربية المعاصرة، عدا عن تدوينها البارع للتحولات القاتلة التي أودت بالمدينة، بطبقتيها الأركيولوجيتين: النواة التقليدية التاريخية، والتوسعة الحداثوية. ونقصد بهذه الخاصية أنها ليست آتية من هناءة الريف ووداعته، ولا من أرصفة المدن وبورجوازيتها، بل هي الآن رواية الضواحي البائسة والعشوائيات، التي نشأت على أطراف المدن، مع التعثر المديد للتنمية وفشل تطبيق شروط الدولة الوطنية، والتمزق العنيف للنسيج الإجتماعي، وهجران الريف وبواره، وانتشار البؤس والبطالة، والإنفجار السكاني المترافق مع فساد عميق في السياسة والإقتصاد، وانسداد الأفق، وحلول اليأس الذي سيتولى تلك الصحوات الدينية الغاضبة والإنتحارية.. وسيكون على الرواية العربية أن تكتب هذا، أن ترصد تلك التغيرات الدراماتيكية والمصيرية، أن تنشئ عمارتها على الأطلال الكئيبة للمدن المشوهة والذاهبة إلى فوضاها المتمادية. وسيكون السرد لاهثاً، مفعماً بالقسوة والوضوح، بل وقحاً وبذيئاً أحياناً، شديد التشاؤم، مليئاً بالحنين، فاضحاً وتنويرياً في آن واحد. هذا ما تقوله روايات اليوم: لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة للسوري خالد خليفة. ملحمة التدمير المكتوم والبطيء لمدينة حلب. أو فرانكنشتاين في بغداد للعراقي أحمد السعداوي، والسيرة الدموية والخرائبية لبغداد، مثالاً لا حصراً.
تبدو رواية حي الأميركان لجبور الدويهي مثالاً ساطعاً آخر هنا. سرد شديد الرشاقة، متبصر ونافذ في حكاياته، وبارع في شبكها على تقاطعات التحول والصيرورة، والإلتباس الدرامي. يمكننا أن نتحدث هنا عن هندسة تشبه مخططات الجسور: بسيطة الشكل، بالغة التعقيد والحساسية والخفة. الدقة في التفاصيل بلا مبالغة. هي الرشاقة في اللغة وفي كرونولوجيا الأحداث، وفي تصوير الشخصيات، وفي اختيار كادرات التصوير والوصف.
وإذا كانت إحدى شخصيات الرواية راقصة باليه، فهذا ما ينبهنا أيضاً إلى بنية الرواية وحركتها وإيقاعها: كأنها مكتوبة كرقصة باليه. في ارتفاعها على رؤوس الأصابع ثم الهبوط على كامل القدم، في الدوران بالمكان ذاته (حفر في نقطة واحدة)، في القفز الخفيف والإنتقال السريع شبه الخفي، وشبه الطيران، في إيماءاتها وتراجيدية الوجوه والشخصيات، في هارمونيتها الموسيقية وصخبها العنيف وحنانها، سموها وغرائزيتها، جسديتها وشعريتها، شهوانيتها وهشاشتها. الرشاقة مرة أخرى.
تكتب الرواية مصائر مدينة طرابلس اللبنانية، سيرة اجتماعها وعمرانها. يمكن الإستشهاد هنا بصفحتي الرواية 94 و95: المدينة ميتة، تستيقظ متأخرة وتتحول إلى مدينة أشباح بعد الثامنة ليلاً، حاربت الإنتداب الفرنسي وتضامنت وتظاهرت مع كل قضية عربية، مع ثورة الجزائر، وضد حلف بغداد، خرج أهلها عن بكرة أبيهم إلى الشوارع يوم استقال جمال عبد الناصر، وقاد رجل من عندهم جيش الإنقاذ الفلسطيني عام 1948 فأمست اليوم لا تحرك ساكناً، يشتري الأغنياء أصوات أهلها في الإنتخابات، أغنياء تحوم الشبهات حول طريقة تجميعهم الثروات.... يتحدث هنا أيضاً عن أفول صالات السينما وإقفالها، عن هجرة مدارس الإرساليات للمدينة، عن الإلتجاء إلى البلدات المسيحية لقضاء الأوقات الممتعة والتسلية والسهر، عن سيطرة خطباء الجمعة المتطرفين على فضاء المدينة وعلى عقول شبانها، عن خوف مزيني النساء، عن مطاردة شاربي الكحول.. إلخ. تلك هي الأحداث المشابهة التي شهدتها معظم المدن العربية، ودللت على الموات الذي بدأ يطغى عليها، وعلى الزحف الذي لا يُرد لموجات النزوح من سكان فقدوا أريافهم ونظم حياتهم ومصادر رزقهم وتقاليدهم، وزنروا المدن بالبؤس، وتغللوا فيها وقبضوا على مصيرها، فيما تلك المدن ذاتها بسكانها وعائلاتها، كانت قد فقدت ديناميكيتها ومشروع التحديث الذي انطلق فيها على أقل تقدير في أواخر القرن التاسع عشر.
لا يكتب جبور الدويهي حيّ الأميركان كمرثية، لا ينعي المدينة تماماً، لكنه يشهد للحياة وينحاز إليها، إلى قسوة التحولات وحقيقتها، التذكر وإن كان مغلفاً بالنوستالجيا، إلا أنه لا يغرق فيها، إذ ينحاز إلى قوة الحاضر وسطوة المقبل. بل أن الرواية تكاد تكون مديحاً لـالشرط الإنساني، وتأكيداً على مأساة الوضع البشري. لا مفر من القسوة والألم والعنف والحب والموت والتبدل الجارح، وذاك الشعور الأصلي للإنسان، شعور المنفى بالمعنى الديني للكلمة (التوق إلى الفردوس)، والمأزق الوجودي والأقدار الغادرة.
سينتبه كثيرون إلى أن حبكة الرواية تقوم على تتبع سيرة بطلها الأبرز (إسماعيل محسن)، وسيرورة تحوله إلى إسلامي متطرف يذهب إلى العراق مقاتلاً أو انتحارياً. لكن تلك قصة الرواية وحسب. قوة حيّ الأميركان تكمن في حذاقة الدويهي ببناء عوالم القصة، في تصوير مساحات واسعة للحيوات التي تحف بـالقصة، وفي الكثافة التعبيرية للمشاهد والأحداث. مشهد خال البطل، أستاذ المدرسة (نموذج لوعود الدولة الوطنية ما بعد الإستقلال: الصعود الإجتماعي عبر الثقافة والتعليم، الإندماج بالمدينة والتمدن، والأخذ بالحداثة وطموحات النهضة)، سنراه في الزمن الحاضر، إذ يحتقر أهل الجوار شاعراً أنه سجين الحيّ التعس بعد انحطاط عمرانه وهجرانه من سكانه الأصليين، وها هو ضيق الخلق، يصرخ بوجه تلامذته، ويضربهم أحياناً. سيغرق في هواجسه، في تناول الحبوب المهدئة: حصل على تسجيل للخطاب الذي أعلن فيه جمال عبد الناصر تنحيه عن رئاسة مصر بعد هزيمة جيشه في حرب حزيران 1967. انتظر يوم ذكرى التنحي هذا، بدأ بشرب الوسكي فور عودته من المدرسة وهو يستمع إلى خطاب الإستقالة رافعاً الصوت إلى أعلاه، وراح يعيده ويبكي حتى منتصف الليل.
البراعة والحذاقة أيضاً، في التوليفة الإخراجية والدرامية للحكايات. فدلالة نهاية العائلات التي كانت عصب المدينة وواجهتها وصانعة صورها وازدهارها وسياستها، سنراها هناك في اختفاء بساتين الليمون التي كانت تحيط المدينة لمساحات شاسعة. لم يبق ولا شجرة واحدة. أتت جرافات الأثرياء الجدد واقتلعتها لتبني عماراتها المتكبرة والوقحة. آخر من بقي من سليل العائلة سيكون شغوفاً بالأشجار المنزلية القزمة، البونزاي، بديلة البساتين التي كانت تنشر على المدينة عبق زهر الليمون. لم يبق له سوى أن يعتني بتلك الشجيرات الضئيلة، داخل البيت الموحش والخالي من الحياة.
رواية تقوم على الإلتباس في الهوية (الجنسية، الدينية، السياسية، الجغرافية، الثقافية..)، لكنها تظل شهادة انتماء أصيلة ومفعمة بالحنان، لمدينة لم يهزمها الموت بعد.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.