8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

7 أيار 2008 المستمر من لبنان إلى سوريا

كان هناك فكرة جذابة، أشبه بأغنية في احتفالية، على امتداد بلد. فكرة ساذجة لكنها تستحق أن تكون حقيقية: حرية، سيادة، إستقلال.
عندما اندلعت تلك الأغنية على الضد من الجريمة المنظمة، على الضد من الصمت وكآبة التسلط، باذخة بالحبور، ومفعمة بحب الحياة.. أصرت تلك المنظومة الميليشيوية المخابراتية، التي تحكم لبنان وسوريا، أن تسفك الدم، وأن توغل بالقتل. واقترحت تلك المنظومة (العصبة) إما الخضوع لسلطانها وطغيانها العنيف، والرضوخ لمشيئتها في تسخير مقدرات الشعوب ومصائرها لإرادتها ومشاريعها، وإما تقويض العمران والدولة وأسباب الحياة نفسها، وفرض حرب أهلية متذررة إلى سلسلة لا تنتهي من حروب المذاهب والعصبيات المتقاتلة بلا هوادة وإلى ما لا نهاية.
وعلى هذا المنوال، كلما ائتلف الناس، أو جنحوا على الأقل نحو ائتلافهم جماعة وطنية واحدة، وبمطلب الدولة القادرة، وبحياة سوية موفورة الكرامة والحرية، انقضت تلك العصبة بفائض سلاحها وفائق قابليتها على العنف، وأنزلت الحرب على البشر والحجر من غير رادع، صانعة إرهابها ومصنّعة الإرهاب المضاد في آن واحد، ليرتد الجميع إلى جحيم الإقتتال، وإلى مصير الهلاك والخراب، تحت شعار: إما وصايتنا وهيمنتنا أو نحرق البلد.
شكلت الأغنية الإحتفالية اللبنانية عام 2005 أسوأ كابوس لمنظومة الممانعة، فكان البحث عن ابتداع حرب، أي حرب، فالمهم هو تقويض هذا الكرنفال، هذا التفاؤل، تقويض هذه الفرصة المواتية لتبديد دوامة البؤس واليأس والتسلط. هكذا، وعن سابق تصور وتصميم، أخذت تلك العصبة لبنان إلى حرب تموز 2006، رداً على إخراج جيش النظام السوري من لبنان، وتمكيناً لـحزب الله من مصير لبنان، وتهديداً لكل المشرق العربي ودول الخليج، وتشبيكاً مع الحرب القذرة التي يشنها الحلف الإيراني السوري على العراق منذ العام 2003.
فور تثبيت وقف إطلاق النار في صيف 2006، بين حزب الله وإسرائيل، ظهرت أهداف الحرب المفتعلة، وهي بالطبع لا صلة لها بـتحرير فلسطين. المطلوب هو تقويض سلطة الدولة اللبنانية، الوليدة للتو خارج الوصاية السورية الإيرانية، والمطلوب هو استثمار الخراب الهائل وفائض الموت، وشرذمة المواطنين اللبنانيين بين أشرف الناس والخونة (وحينها كان الخونة أكثرية انتخابية موصوفة). بمعنى آخر، لقد طرحت العصبة الممانعة في آخر صيف 2006 حرباً أهلية تستأنف مباشرة تلك التي وضعت أوزارها. ومن أجل ذلك، عبأت هذه العصبة أشرف الناس الذين احتلوا وسط بيروت لنحو سنتين، وأقفلوا مجلس النواب وحاصروا مقر الحكومة، وأكملوا مسلسل الإغتيالات والتفجيرات، ووزعوا السلاح والمال تأليفاً لعصابات ميليشيوية في الأحياء والمدن، واستباحوا الحدود الشرقية والشمالية، وتسلطوا على المطار والمرافئ، وأظهروا اختراقهم الفادح والمديد للأجهزة الأمنية الرسمية ومخابراتها، وافتعلوا الصدامات الدموية بتواتر يومي.
ببساطة، خطفوا لبنان بأسره، وأخذوه عنوة إلى اليأس مجدداً. ولأن أغلبية اللبنانيين لم تجنح إلى تلبية اقتراح الحرب الأهلية، وإلى معادلة السلاح بوجه السلاح، بعد مرارة التجربة التاريخية (1975 1990)، اضطر حزب الله وشراذم النظام السوري ومعهما ميليشيا حركة أمل ( وضمنها: حرس المجلس النيابي؟!)، إلى شن حرب من طرف واحد في السابع من أيار 2008، على العاصمة بيروت وعلى مناطق من المتن الجنوبي والشوف... حرب من معركة واحدة لمدة يومين، نتج عنها انتهاء الربيع الديموقراطي، مصادرة السلاح للسياسة، تفوق الدويلة على الدولة، وتثبيت وصاية حزب الله على لبنان، بدلاً من وصاية حليفه السوري السابقة. وعلاوة على ذلك، صار النفوذ الإيراني مباشراً، إلى الدرجة التي تسمح لقادة الحرس الثوري بالقول منذ أيام: حدودنا تمتد إلى جنوب لبنان.
في السابع من أيار 2014، جدد حزب الله معادلته التي رسخها في مثل هذا التاريخ عام 2008: الأمر لي، لا رئاسة جمهورية، ولا دولة ولا دستور ولا حكومة ولا برلمان ولا أي قرار رسمي ولا انتخابات ولا مرسوم ولا محكمة ولا مجرد تعيين موظف.. إلا بإرادتي، ووفق ما أريد. وأي اعتراض سيقابل بعقوبة الموت أو الحرب الأهلية أو الفوضى.
أمثولة 7 أيار 2008، سيكررها النظام السوري. فمقابل خروج السوريين السلمي والمدني، في احتفالية أغنية الحرية والكرامة، بنشيد ليسقط الطغيان، سيلجأ الطاغية إلى اقتراح الحرب الأهلية، بل هو سيحاول كما فعل حزب الله ابتداع حرب مع اسرائيل، عبر زجه بآلاف المتطوعين لاقتحام الحدود في الجولان. ثم سيفتح أبواب الجحيم على سوريا، بشراً وحجراً، تحت شعار: الأسد (الممانعة) أو نحرق البلد. هذا الجحيم المستمر منذ ثلاث سنوات، بوحشيته الكيمياوية، هو فقط كي يتاح لبشار الأسد في أيار 2014 أن يقول أنا الرئيس الأبدي في اللحظة ذاتها التي يقول فيها حزب الله: لا رئيس للبنان.
من لبنان إلى سوريا، حرب 7 أيار 2008 مستمرة، وستبقى على الأرجح سنوات طويلة، إلى أن لا يعود هناك لا لبنانيين ولا سوريين،لا دول ولا حدود ولا عمران ولا مجتمعات، بل فقط هوام متساقط ببئر الظلمات والموت، في الأرض الخراب.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00