في ختام لقائه بوزير الخارجيّة السعودي الأمير سعود الفيصل الأحد الماضي، قال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل إنّ فلسطين تنتمي إلى الدول العربيّة، وعمقُها عربيّ أوّلاً وإسلامي ثانياً، أي أنّ مشعل يعرّف قضيّة فلسطين على أنّها قضيّة وطنيّة فلسطينيّة أوّلاً وقوميّة عربيّة ثانياً وإسلاميّة ثالثاً. وأضاف انّ حركته فلسطينيّة منتمية إلى أمّتها العربيّة كما أنّها منتمية إلى امّتها الإسلاميّة.
بـ الترتيب: فلسطينية أولاً
بـ ترتيب واضح جداً إذاً، يعلن مشعل تراتب مكوّنات حركة حماس: فلسطينيّة أولاً وعربيّة ثانياً وإسلاميّة ثالثاً. لا يمكنُ لأحد ألاّ يرحّب بهذا الترتيب المحدّد آنفاً في انتظار إثبات حماس له فعلياً بعد الآن. والمحكّان الرئيسيان: المصالحة الفلسطينية والعلاقة بمصر.
على أنّ ما يدفعُ إلى التوسّع نسبياً في تحليل أبعاد ما أعلنَه القياديّ الحمساويّ الأوّل، هو بالضبط مناسبة هذا الإعلان والنتائج التي يُفترض أن تنجم عنه تباعاً.
مناسبة الإعلان: التفقّد السعوديّ ـ العربيّ
ليست المناسبة وثيقة حزبيّة سياسيّة تعلنُها حماس ولا هي مقالة فكريّة لأحد قادتها. ذلك انّ الوزير سعود الفيصل كشفَ في اليومين اللذين تليا لقاءه بمشعل سرّ المناسبة. فأوضح الفصيل انّ ما أعلنه مشعل في الرياض كان جواباً عن سؤال بشأن رؤية حماس إلى موقع القضيّة الفلسطينيّة، وما إذا كانت هذه القضيّة عربيّة أم تابعةً لـجهة أخرى. المناسبة إذا هيً تفقيط سعوديّ عربيّ مع حماس أو تفقّد سعوديّ عربيّ لـحماس وحالها في المرحلة الراهنة المقبلة. وما لم يوضحُه الفيصل في إشارته إلى جهة أخرى، أوضحه خالد مشعل بنفسه، إذ قال في تصريحاته في حضور الوزير السعوديّ إنّ حماس على علاقة جيّدة بإيران في دعم القضيّة الفلسطينيّة لكنّنا مع الأمن العربي بتفاصيله ولا نقبل أيّ إضرار بالأمن العربيّ من أيّ طرف. ثمّ أضاف انّ الحركة ترحّب بكل الأدوار التي تدعم القضيّة الفلسطينيّة لكننا لا نستبدل دوراً بدور، إذ انّ الدور العربيّ هو الأساس، ونعرف تاريخ السعوديّة ومصر وسوريا في دعم قضيتنا، معتبراً في مجال آخر انّ الكلام عن علاقة لـحماس بالمتمرّدين اليمنيين إفتراءات وأكاذيب.
على هذا الأساس، يبدو أنّ ما أعلنه مشعل جاء جواباً على سؤال طرحه عليه الوزير السعوديّ، سؤال يقرب من صيغة: أين تقف حماس من العرب وإيران؟.
الآن، وبعدَ هذه المقدّمات جميعاً، صار واضحاً أنّ لما أعلنه رئيس المكتب السياسيّ لـحماس في المملكة، أهمّيتين سياسيتين مباشرتين. الأولى، هي انّ هذه المواقف تأتي في لحظة تفقّد بين العرب وإيران. والثانية، هي انّ هذه المواقف تُعطى على خطّ دمشق الرياض القاهرة.
أجوبة مشعل على خطّ دمشق ـ الرياض ـ القاهرة
بيدَ أنّ الأمور لا تقف في السياسة عند هذا الحدّ فقط.
فأن تكون مواقف مشعل في لحظة تفقّد بين العرب وإيران، فذلك يعني أنّ ثمّة سعياً عربياً لإستعادة فلسطين والقضيّة الفلسطينيّة إلى الحاضنة العربيّة وإلى النظام العربي بالكامل، وأنّ هذا السعي يحقّق نجاحاً.
وأن يُعطي مشعل مواقفه على خطّ دمشق الرياض القاهرة، فذلك يعني إحياء الأمل مجدّداً بتحقيق المصالحة الفلسطينيّة الفلسطينيّة. وقد قال مشعل نرحّب بالدور السعوديّ والسوريّ والعربيّ الذي يساعد في إتمام المصالحة (الفلسطينيّة) إلى جانب الدور المصري، مذكّراً بأن لا أحد يطلب دوراً بديلاً عن الدور المصري(..).
استقلال النظام العربي عن إيران
... وأن ينفتح الأفق مجدّداً أمام المصالحة الفلسطينيّة من جهة وأمام إستعادة فلسطين إلى النظام العربيّ من جهة ثانية، فذلك يعني بالضرورة أنّ النظام العربيّ يستعيد أوراق إستقلاله عن الصراع الدولي الإيرانيّ المحتدم في هذه المرحلة. فـالنظام العربيّ يقول إنّه مستقلّ عن المواجهة الدوليّة مع إيران لكنّه لن يرضى بتحويل إيران للمنطقة إلى ساحات لها في مواجهتها مع المجتمع الدولي. وليس سرّاً في هذا المجال انّ العنوان الأبرز والأهمّ لذلك الاستقلال العربيّ، هو المبادرة العربيّة للسلام التي تعود إلى التحرّك في هذه الآونة إنقاذاً للقضيّة الفلسطينيّة من محاولات إسرائيل الاستفادة من الصراع الدوليّ الإيراني، وتأكيداً على الموقعيّة الإقليميّة للنظام العربيّ على حدّ سواء.
المكوّنات والبراغماتيّة
إذاً، إنّ التوقّف أمام ما أعلنه القياديّ الفلسطينيّ خالد مشعل في الأيّام الماضية يتعلق التوقّف بقراءة جانب مهمّ من المرحلة الاقليميّة. غير أنّ له ضرورةً، لا مبالغة في القول إنّها ذات بُعد استراتيجي محدّد.
إنّ حماس، ولو تحت ضغط تفقّد سعوديّ عربيّ، إذ تُشهر تراتباً محدّداً لمكوّناتها، إنّما تضع هذه المكوّنات بتسلسل الأولويّة إذا جاز التعبير. فمكوّنها الفلسطيني أوّلاً ومكوّنها العربي ثانياً ومكوّنها الإسلامي ثالثاً. وهي، بهذا المعنى، تريد أن تقول إنّها تستطيع أن تأخذ من هذه المكوّنات أولويّات معيّنة، أو أنّها تستطيع أن تغلّب المكوّنات على العلاقات.. أي انّها عندما ترغب وفي ظروف معيّنة وفي مواجهة أخطار معيّنة وإحتماءً من معطيات معيّنة تستطيع أن تكون براغماتيّة في تعاملها مع مكوّناتها. فهل تثبّت حماس ذلك نهائياً؟.
ما يهمّ اللبنانيين، في هذا السياق وليس من خارجه أبداً، هو سؤال حزب الله في لبنان: هل يرغب أوّلاً ثمّ هل يستطيع ثانياً، في ظروف مشتركة (مع الفلسطينيين) شديدة الخطورة، أن يفتح المجال أمام إستقلال لبنان عن الصراعات الاقليميّة المحتدمة، عبر صياغة متجدّدة لمكوّناته وأولويّاتها؟.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.