لم يأخذ شعار لبنان أولاً حقه من النقاش الجدي والفعلي منذ أن تبنّاه زعيم تيار المستقبل سعد الحريري وحتى اليوم.
ومع أن لهذا الشعار بُعدين، أحدهما حيال الخارج والثاني حيال الداخل، فقد بقي بعض النقاش أسير بُعد واحد منه، ورُمي بتهمة الإنعزال.
لبنان أولاً ودوافع ولادته
صحيحٌ أن لبنان أولاً أُطلق في رحاب الحركة الاستقلالية التي أخرجت لبنان من دائرة الوصاية السورية عليه بكل أثقالها. لكنه لم يكن مجرد رد فعل على الوصاية، وعلى العروبة السورية بأدائها الايديولوجي البعثي. وصحيحٌ أن لبنان أولاً يُحاكي في ظاهره على الأقل شعارات مشابهة أُطلقت في أقطار عربية عدة تعبيراً عن وطنيات ضد نفوذ لبلد عربي على بلد عربي آخر وتعبيراً عن مرارة من الرابطة القومية. لكنه أي لبنان أولاً وبالرغم من المعاناة اللبنانية مع النظام السوري، محاولةٌ لصياغة موقع لبنان العربي. وصحيحٌ كذلك أن لبنان أولاً يشبه النتعة اللبنانية ضد منوعات عروبية قومجية، لكنه يأخذ في الإعتبار حصيلة ستين عاماً من تجربة الكيان اللبناني بالعلاقة مع خارجه أو محيطه.
نتعةٌ استقلالية
إذاً، إن لبنان أولاً يمثل نتعة إستقلالية لبنانية..لكن.
لكنه لا يعني أبداً حياد لبنان في القضايا العربية، ولا حياده في الصراع العربي الإسرائيلي وقضيته المركزية فلسطين، ولا الانسحاب من التضامن العربي وموجباته.
هو بالتأكيد ضد المحاور غير العربية على حساب القضايا والمصالح العربية. لكنه بالتأكيد مع محصلة الموقف العربي في المقابل. والأهم أنه مع نظام المصلحة العربية.
الانتماء العربي ونظام المصلحة العربية
إن لبنان أولاً يقع تماماً ضمن إتفاق الطائف الذي حسم إنتماء لبنان العربي، وحسم بأن لبنان ليس محايداً أو حيادياً. لكن على أساس أول هو الانضمام الى المصلحة والمحصّلة العربيتين، وعلى أساس ثانٍ هو عدم تحميل لبنان فوق طاقته. ألم ينص اتفاق الطائف على التزام لبنان بـاتفاقية الهدنة للعام 1949 بعد إسترجاع أرضه المحتلة؟ أليس في هذا النص ما يؤكد ان لبنان لا يحتمل أكثر مما تمكنه قدرته؟ أليس في هذا النص إشارة واضحة الى أن لبنان العربي الانتماء، وغير المحايد سياسياً، يستطيع أن يكون وربما يجب أن يكون محايداً عسكرياً؟ ثم أليس ثمة مفارقة في أن البعض ينتقد لبنان أولاً ويرميه بتهمة الإنعزال لكنه يدعو في الوقت نفسه الى التقيد بـإتفاقية الهدنة؟
إن لبنان أولاً هو ترجمةٌ أمينة لاتفاق الطائف، وترجمة أمينة لكون لبنان عربياً من موقع الاستقلال.. أي من موقع كونه كياناً متساوياً مع سائر الكيانات العربية المعترف لها بحقها في تحديد سياستها غير المحايدة عربياً.. أي من موقع أن لبنان ليس ملحقاً بأي بلد عربي آخر ولا ورقة في يده ولا مسرحاً على حساب نظام المصلحة العربية.
أولوية الوطن على الطوائف والمذاهب
أما البُعد الثاني الذي يتم القفز فوقه في بعض النقاش، فهو المتعلق بـلبنان أولاً حيال الداخل.
ليس سراً أن لبنان أولاً ولد في مرحلة لبنانية إتسمت باحتدام الانقسام الطائفي والمذهبي من جهة وإتسمت بتوجه الى المماثلة بين الطوائف وأحزابها والى أولوية الطائفة والمذهب من جهة أخرى. صار الانقسام السياسي إنقساماً طائفياً مذهبياً وكيف لا يصير كذلك. صار الخلاف مع حزب خلافاً مع الطائفة أو المذهب اللذين ينتمي اليهما هذا الحزب. وصار الحزبي يختصر حزبه وطائفته ومذهبه في أي شيء بما أن الحزب هو الطائفة أو المذهب. وصارت الأولوية للطائفة والمذهب على الوطن. وإزدهر الحديث عن خصوصيات طائفية وصارت الحمايات لـ الطائفة أولاً ومن طائفة أخرى ثانياً.. وعلى حساب الآخرين ثالثاً.
الدولة المدنية والمواطنة
لبنان أولاً حيال الداخل يعني إذاً أولوية لبنان على الطوائف والمذاهب ضدّ أولوية الطوائف والمذاهب على الوطن.
لبنان أولاً حيال الداخل يعني عدم التنصّل من مهمة بناء الدولة لصالح كل الوطن.
لبنان أولاً هو الترجمة الدقيقة لإتفاق الطائف. لأن إتفاق الطائف يتضمّن آليات الانتقال بلبنان الى الدولة المدنية التي تعطي الطوائف والمذاهب مصالحها من ناحية لكنها تؤسّس لقيامة المجتمع المدني ولـالمواطن الحرّ من ناحية ثانية. ولأن الدولة المدنية بحسب إتفاق الطائف تطوي صفحة تاريخية من الحرب الأهلية في لبنان.
لبنان أولاً حيال الداخل هو إذاً دينامية إختلاط لبناني يحتاج إليها إتفاق الطائف لتطبيقه.
رفيق الحريري الطائف ـ سعد الحريري الدينامية
من هنا، فإن بعض النقاش حول لبنان أولاً أخطأ مرّتَين. مردة في قراءته إنعزالاً في بُعده حيال الخارج، في حين أنه تجسيد لانتماء حرّ مستقلّ الى المصلحة والمحصّلة العربيّتَين مع أخذ التجربة اللبنانية المريرة في الاعتبار. ومرة ثانية إذ تجاهل بُعد هذا الشعار حيال الداخل.
ووفقاً لكل المعاني السابقة، فإن الإنصاف التاريخي يستوجب القول إن الرئيس الشهيد رفيق الحريري بنى إتفاق الطائف وإن وريثه الرئيس سعد الحريري قدّم ويقدّم بالشعار الذي يتبنّاه العنوان المفتاح لتطبيق إتفاق الطائف. لا بل إن الإنصاف يقتضي القول إن لبنان أولاً أكثر من شعار.. إنه فلسفة وثقافة حول الكيان وفيه.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.