8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

من رفيق الحريري إلى سعد الحريري: السلم الأهلي وأولويته

بعد سبعة عشر عاماً من ترؤس الرئيس الشهيد رفيق الحريري أولى حكوماته، الثالثة بعد اتفاق الطائف آنذاك، يستعد وريثه رئيس تيار المستقبل سعد الحريري في هذه الأيام للدخول الى الحكم وترؤس الحكومة، بعد انتخابات نيابية حصل وحلفاؤه فيها على نتائج باهرة. فهل ثمة مجال للمقارنة بين الظرفين أو اللحظتين وما المشترك فيهما؟
رفيق الحريري وهاجس السلم الأهلي
في خريف العام 1992، أتى الرئيس رفيق الحريري الى رئاسة الحكومة مسبوقاً بـإستتباب الوضع للوصاية السورية على لبنان اثر حرب تحرير الكويت وظروفها وسياقاتها. لكنه أتى مهجوساً بحماية السلم الأهلي الإسلامي ـ المسيحي تكريساً لاتفاق الطائف من ناحية وإنقاذاً له ـ السلم الأهلي ـ من اهتزازات لاحت تزامناً مع المقاطعة المسيحية لانتخابات صيف 1992 وهي المقاطعة التي كانت في وجهها الرئيسي احتجاجاً على سياسات الوصاية السورية وممارساتها.. من ناحية أخرى.
ليس إكتشافاً القول إن الرئيس الشهيد كان بعيد النظر. فبالفعل كان كذلك إذ أدرك أن قيامة الدولة مرهونة بإخراج لبنان من قبضة الوصاية السورية، وأن إنهاء القبضة السورية مرهون بـالوحدة الوطنية أي بالسلم الأهلي الذي لا بد من تحصينه.
السلم الأهلي ووسائل تحصينه
ومن منطلق حرصه على السلم الأهلي، ومن منطلق قناعته بأن هذا الميدان هو الميدان الرئيسي لدوره في تلك الأيام والأزمنة، ومن منطلق معرفته بأن الوصاية السورية سعت باستمرار الى تهديد السلم الأهلي والى إبتزازه هو بالسلم الأهلي، ركّز الرئيس الشهيد ما يمكن تسميته البنية التي تحصّن السلم الأهلي.
في هذه البنية أن بيروت العاصمة هي عاصمة العيش المشترك الإسلامي ـ المسيحي، وهي واحة التلاقي ومركز التواصل.. فنفض عنها غبار الحرب الأهلية وأعاد بناءها وتعميرها وتحديثها. وفي هذه البنية أن من ضمانات السلم الأهلي إعادة الإعمار في كل لبنان. وفيها أن من الضمانات الإنماء والتطوير الاقتصادي وتحقيق النمو. كان رهانه منعقداً هنا: ترسيخُ السلم الأهلي بتعزيز وسائله هو الشرط الضروري لملاقاة أي تطورات قد تحصل في أي وقت، ويكون من شأنها استعادة لبنان الى نفسه وتمكينه من إقامة دولته. وفي هذا السياق، ثمة خطأ شائع بل ثمة خطيئة استهدف خصوم الرئيس الحريري مشروعه بها.
السلم الإقليمي مساعد للسلم الداخلي
ليس سراً أن الرئيس الحريري شكل أولى حكوماته خريف 1992 في لحظة إندفاع العملية السلمية الإقليمية بعد أقل من عام آنذاك على إنطلاق مؤتمر مدريد الذي حدّدت مرجعياته بالقرارات الدولية ذات الصلة. خصومه ـ بل المعادون له ـ وجلهم من أتباع النظام السوري بالمعنى الحرفي للكلمة رموه بتهمة الرهان على السلام الإقليمي وترتيب الوضع اللبناني على أساس نتائج سريعة للعملية السلمية. ومع أن الرهان على السلام ليس تهمةً، ومع أن النظام السوري نفسه إستمر في إطار مؤتمر مدريد تسع سنوات من 1991 الى 2000 ثم فتح خطوطاً تفاوضية مع إسرائيل بعد ذلك ولو بـتقطع، فإن الرئيس الشهيد كان يعتبر محقاً أن حصول السلام الإقليمي على أساس عادل أي وفقاً لقرارات الشرعية الدولية، إنما يعزز السلم الأهلي اللبناني ويعزز فرص إنتهاء الوصاية السورية وفرص قيامة الدولة اللبنانية تالياً. أما الأثمان التي ترتبت على عشق الرئيس الحريري للسلم الأهلي، فكانت نتاجاً لـبلطجة نظام الوصاية وابتزازه بتعريض السلم الأهلي للأخطار.
الثنائيات في وجه الرئيس الشهيد
على أن ثمة ـ في هذا السياق ـ ما يحتاجُ الى إيضاح بـمفعول رجعي.
كان الرئيس الشهيد مضطراً ـ مجبراً ـ الى التعامل مع عدد كبير من الثنائيات. ثنائية السلم الأهلي والإعمار والاقتصاد مع الوصاية السورية. ثنائية السلم الأهلي والإعمار والاقتصاد مع المقاومة قبل العام 2000 وبعده. ثنائية السلم الأهلي والإعمار والاقتصاد مع النظام الأمني خصوصاً في مرحلة بشار الأسد ـ إميل لحود. ثنائية الدولة المعلقة مع كل ما يتناقض معها.
غير أن الرئيس الحريري سعى باستمرار الى تقوية العوامل المضادة لتلك الثنائيات. فعلى سبيل المثال، ومع أن التفسير الغالب لـتفاهم نيسان 1996 هو أن الرئيس الشهيد أراد بواسطته أن يشرّع المقاومة، ومع أن هذا التفسير لا يخلو من بعض الصحة، فإن ما لا يتمّ الانتباه إليه عادةً هو أن الرئيس الحريري بـتفاهم نيسان إنما أسّس ثنائية الدولة ـ المقاومة. وهذه الثنائية المستجدّة آنذاك كانت نوعاً من تقليص لـأحادية المقاومة في الصراع مع إسرائيل أي إدخالاً للدولة الى ميدان غير معترف لها به، أي كانت بمثابة تقدّم للدولة.. الى أن تنضج ظروف أحاديتها بعد إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وفي ظروف لبنانية وإقليمية ـ دولية مناسبة.
سعد الحريري والثنائيات المنتهية
وإذا كانت المقدّمات الآنفة تحاول أن تقدّم خلاصات مكثّفة لتجربة الرئيس الشهيد في ظروفها المحددة، فإن مقاربة مسألة استعداد زعيم المستقبل سعد الحريري لترؤّس الحكومة المقبلة، تقتضي الإشارة الى أوجه الاختلاف بين ظروف الرئيس الحريري وظروف سعد رفيق الحريري من جهة وإلى أوجه التشابه بينهما من جهة أخرى.
ستُسمّي 14 آذار سعد الحريري لرئاسة الحكومة ويُفترض أن يتسلّم رئاسة الحكومة في ظل ثلاثة اختلافات جوهرية عن ظروف والده الشهيد. الاختلاف الأول هو أن لا وصاية سورية على لبنان.. بصرف النظر عن مخلّفاتها. والاختلاف الثاني هو أن الأساس الموضوعي لكل ثنائيات مرحلة الرئيس الشهيد قد زال، لا سيما ثنائية الدولة ـ المقاومة التي كانت صيغةً متقدمة في ظروفها آنذاك. ذلك أن المشروع المقاوم، أي المقاومة من خارج الدولة والصراع مع إسرائيل في موازاة الدولة، لم يعُد ذا حجّة من ضمن المعطيات المحلية والقرارات الدولية، علماً أن النقاش في البلد في السنوات الماضية لم يكن يوماً حول الصراع مع إسرائيل وموقع لبنان منه بل كان حول إدارته وآلياته. أما الاختلاف الثالث فهو أن توازن القوى الشعبي ـ الطائفي ـ السياسي أوضح اليوم في كونه لصالح مشروع الدولة.
سعد والسلم الأهلي لبنانياً وعربياً
عليه، لن يأتي سعد الحريري الى رئاسة الحكومة في مناخ ثنائيات واجبة أو مفروضة. غير أنه هو أيضاً كوالده الرئيس الشهيد مهجوس بالسلم الأهلي.
يُدرك سعد رفيق الحريري أنه استطاع أن يحبط في الفترة السابقة فتنة إسلامية ـ إسلامية وأن يحفظ مع حلفائه التعايش الإسلامي ـ المسيحي في المقابل. لكنه يدرك تماماً أن السلم الأهلي في شقّيه الإسلامي ـ الإسلامي، أي السنّي الشيعي، والإسلامي ـ المسيحي يحتاج الى مزيد من التحصين. ويحتاج الى تحصين في لبنان لأن السلم الأهلي عربياً هو نفسه بحاجة الى تحصين، أي أن المسألة السنية ـ الشيعية مطروحة في العالم العربي بقوة. وبالمناسبة، فإن سعد الحريري عندما يُعلن إنفتاحه وإستعداده لتقديم تطمينات، لا سيما الى حزب الله، فهو لا يقارب الأمر من زاوية أن لسلاح حزب الله مشروعية أو أن لثنائية الدولة ـ المقاومة أساساً صالحاً، بل من زاوية حرصه على السلم الأهلي وعلى معالجة إشكاليّاته.
حكايةُ تاريخ لبنان الحديث
وجه الشبه إذاً أن السلم الأهلي اولوية عند الشهيد ووريثه. ظروف الوالد كانت أكثر تعقيداً بمعنى لكنها أكثر تعقيداً للإبن بمعنى آخر. ووجه الشبه أن اللحظة الإقليمية لحظة دينامية سلام. وكما رأى الرئيس الشهيد أن مِن شأن السلام الإقليمي أن يعزّز فرص لبنان، كذلك يرى الزعيم الشاب أن السلام الإقليمي ذو نتائج طيّبة. والإثنان من دون أوهام.
أما وجه الشبه الأساس فبيروت واحة التلاقي زمن الرئيس الشهيد وقاهرة الفتنة والموحِدة لتمثيلها 14 آذارياً مع سعد رفيق الحريري. وكذلك فإن وجه الشبه الأساس هو الاقتصاد والاجتماع وفرص العمل والإنماء والتنمية والنمو.
رفيق الحريري ـ سعد رفيق الحريري: حكايةُ تاريخ لبنان الحديث!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00