لا يختلف اثنان على حقيقة أن النتائج في الدوائر الانتخابية المسيحية أو ذات الوزن المسيحي الغالب، هي التي سوف ترجح كفة أي من فريقَي الاستقطاب للمرحلة المقبلة.
هذا في الجانب الانتخابي الرقمي إذا جاز التعبير. بيد أن للمسألة في الدوائر المسيحية بُعداً وطنياً عامّاً، هو ما يجعل الانتخابات مصيرية في هذه الدوائر بالذات أولاً. ومن أجل مزيد من بلورة ذلك البعد الوطني العام، لا مفرّ من الاجابة عن السؤال الآتي: ما الذي جرى بالتحديد خلال السنوات الماضية؟
خط الدفاع الشيعي..وخط الهجوم الماروني
في السنوات الماضية، إشتغل حزب الله على مسارين. الأول هو إقامته لما يمكن تسميته خط دفاع شيعي. أي أن حزب الله قام بكل ما يلزم لتحقيق تماثل تام بينه وبين الطائفة الشيعية بحيث تكون أي مشكلة معه مشكلة مع الشيعة وبحيث يستطيع هو أن يمشكلها في كل الاتجاهات فـ يبدو كأن الطائفة الشيعية هي المشكلة. أما المسار الثاني فهو تحريكه لـخط هجومي تمثل في اختراق طائفة مؤسسة للكيان وفيه هي الطائفة المارونية مستقوياً بـتمثيلها السياسي للاستعصاء على المشروع الوطني العام في البلاد، أي على الإجماعات القائمة أو الواجبة الوجود. ولا يجهل أحد أن ما يشبه العلاقة التواطؤية نشأ بين حزب الله من جهة والتيّار ومسيحيّي 8 آذار من جهة أخرى حيث قدم الحزب التحالف الرباعي في العام 2005 بصيغة تساعد التيار على تحقيق موجة في انتخابات ذلك العام، في مقابل أن يمنح التيار بعد تحصيله على أكثرية التمثيل السياسي الماروني، غطاءه لاستعصاء الحزب.
تفاهم مارمخايل: التواطؤ.. والاستعصاء
بكلام آخر، في السنوات الماضية، وبشكل خاص بعد تفاهم مار مخايل في 6 شباط 2006، حصل إستعصاء على المشروع الوطني العام ـ الدولة ـ بالتواطؤ بين حزب الله الذي صار الطائفة الشيعية وبين التيار الذي سمح لنفسه من موقع أكثرية التمثيل المسيحي بأن يجيّر هذا التمثيل لمصلحة استعصاء خنَق البلد. واللافت هنا أن التيار الذي جيّر نفسه للاستعصاء، راح يقدم التفاهم في البيئة المسيحية على أنه حماية للمسيحيين، وهي حماية ـ لو صح أنها كذلك ـ كانت أثمانها باهظة جداً على المسيحيين: الحماية من خارج الدولة ومؤسساتها ثمن باهظ، وتشكيل رأس حربة للانقلاب على الميثاق والدستور ورئاسة الجمهورية ثمن باهظ، وتغطية العنف ضد الطوائف الأخرى المؤسسة للكيان والتأسيسية فيه ثمن باهظ، والخروج من التاريخ والجغرافيا ثمن باهظ.
التفاهم في وجه شبكة الأمان
حصل ذلك فيما ليس صحيحاً على الإطلاق أن فريق 14 آذار سعى الى محاصرة الحزب، كي يزعم التيار لنفسه أنه خرق الحصار وأسّس لسلام أهلي متين.
ليس من مجال للمقارنة بين ورقة التفاهم والتحالف الرباعي. لا شك أن التحالف الرباعي كان سيئاً لأنه كان وهماً قبل أي شيء. ذلك أنه لم يكن تحالفاً انتخابياً بدليل أن التحالف الانتخابي إقتصر على دوائر محدودة، وهو لم يكن تحالفاً سياسياً برنامجياً. وعليه كان التحالف الرباعي شيئاً آخر. كان الهدف منه، من جانب فريق داخل 14 آذار تمرير الانتخابات، أي تأمين الانتقال الهادىء من مرحلة الوصاية السورية المنتهية الى المرحلة السيادية الجديدة. وكان الهدف منه رسالة حسن نيّة بأن الحركة الإستقلالية لا تسعى ضد أي فريق ولا تستهدف أي مكون من مكونات الاجتماع اللبناني.
في أحيان كثيرة قدم التيار تفاهمه مع حزب الله بالقول إنه حماية للمسيحيين، وفي أحيان أخرى كان يعيّر 14 آذار او بعضها بـالتحالف الرباعي ليقول إن التفاهم أفضل!. لكن تبيّن أن التفاهم ليس مجرد تحالف بديل، لأنه رسى على وضعيّة استعصائية خطيرة. والأهم ـ تكراراً ـ أن التفاهم أتى يجهض البديل الفعليّ الذي طرحته 14 آذار مراراً، وهو تكوين إجماع لبناني ـ بالحوار ـ من شأنه أن يشكّل شبكة أمان للبنان.. ولـحزب الله نفسه اذا كان باحثاً بحق عن الوحدة الوطنيّة وعن تقوية الدولة وعن صون السلم اللبنانيّ والنظام الديموقراطي. أي أنّ التيّار لا يستطيع الادعاء بأنه ذهب الى التفاهم الثنائي ليقطع الطريق على حصار مزعوم لـحزب الله، بل هو ذهب الى التفاهم الثنائي لـيهرب من الإنضمام الى محصّلة تأتي بـحزب الله.. الى لبنان والمشروع الوطني العام والدولة، وذهب إليه مانحاً الثلث المعطّل غطاءً مارونياً هو في الواقع غطاء لـمثالثة مقنّعة.
الانتخابات معركة لإنهاء الاستعصاء
الآن، وبالعودة الى الإنتخابات يوم الأحد المقبل، وفي الدوائر المسيحية بالتحديد، فإن ما لا بدّ من التشديد عليه هو أنّ المعركة الإنتخابية لـ14 آذار في وجه مسيحيي 8 آذار ليست معركة مقاعد وأرقام، وليست حتّى معركة تأكيد التعدديّة التاريخيّة في البيئة المسيحيّة، ولا هي معركة إنتاج زعامات وقيادات مناهضة. إنّ المعركة تنهضّ على أساس أنّ الخلاف معه إنما هو خلافٌ في الوطن والكيان والنظام والتراث والتاريخ والثقافة. إنّ المعركة ضد مسيحيي 8 آذار والتيّار في المقدّمة، هي معركةُ إنهاء لـالإستعصاء.
وللمسيحيين خصوصاً واللبنانيين عموماً أن يدركوا أنّ الثلث المعطّل لا يستوي إلاّ على الوقائع الحالية. ذلك أنّ حزب الله الذي لا يستطيع أن يطلب الثلث المعطّل لنفسه فقط وحتّى للطائفة الشيعية ككل، لأنّ للشيعة كما لكلّ الطوائف حدوداً عدديّة، يستطيع أن يطلبه لـمعارضة متعدّدة. والحال أنّ الثلث المعطّل ما هو سياسياً وعملياً إلاّ قناعٌ لـالمثالثة بحيث يمكن لـحزب الله القول إنهّ لا يطرح المثالثة فيما يمارسها في الواقع.
قبلَ أيّام، كانَ واضحاً أنّ حزب الله على لسان أمينه العام السيّد حسن نصرالله استشعر تراجع حلفائه في البيئة المسيحيّة، فحاول مدّ التيّار بـخشبة نجاة. غير أنّ الأهمّ هو أنّ الحزب الذي إرتاح خلال السنوات الماضية إلى إختراقه الطائفة الماروينة، إستنتج أنّ عليه إعادة الإعتبار لـخطّ الدفاع الشيعيّ. وعلى هذا الأساس، دعا السيّد نصرالله إلى جعل الإنتخابات في الجنوب وفي بعلبك ـ الهرمل إستفتاء على المقاومة وسلاحها... وكأنّه يقول إن لم يفز 8 آذار بالغالبيّة فيكفي الحزب إستفتاءا الجنوب وبعلبك ـ الهرمل كي يواصل الإستعصاء.
القضيّة في الدوائر المسيحيّة بحجم لبنان
بطبيعة الحال، لا يمكنُ لأحد أن يستهين بـخطّ الدفاع الشيعيّ ولا أحد يستهين بـحزب الله وبما يمثله أصلاً. لكن، كما أنّ حزب الله يريدُ الإنتخابات في الجنوب وفي بعلبك ـ الهرمل استفتاءً له، لا بدّ أن تكونَ الإنتخابات في الدوائر المسيحيّة إستفتاء ضدّ الخيارات التي مثّلها الجناح المسيحيّ لـ8 آذار في السنوات المنصرمة، من أجل ترجيح مشاركة المسيحيين في معالجة الإستعصاء. وحقيقة الأمر أنّ ما ستقرّره نتائج الإنتخابات في الدوائر المسيحيّة ليسَ مصير الغالبيّة النيابيّة هنا أو هناك. إنّ ما ستقرّره هو مصيرُ لبنان، بمعنى أنّها ستقرّر ما إذا كان المشروع الوطنيّ العام ـ الدولة ـ ممكناً، أي ما إذا كانّ ثمّة إمكانٌ لـصدم وعي حزب الله بـحقيقة الكيان والصيغة، وما إذا كان ثمّة إمكانٌ لتظهير الإستعصاءات المقابلة لإستعصائه.. بحيث يكونُ للحوار المقبل معنى.
إن القضيّة أمام المسيحيين هي إذاً بـحجم لبنان.. بـحجم إستحقاق الحياة فيه.. أي بحجم إستحقاق لبنان وطناً نهائياً لكلّ أبنائه.. الكلّ فيه يضمن الكلّ كما قال رئيس الجمهوريّة ميشال سليمان.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.