لا شك أن الخطب السابقة واللاحقة للأمين العام لـحزب الله السيد حسن نصرالله تضمّنت وستتضمّن الكثير الكثير مما يستحق النقاش ومما يجب نقاشه في مجال تظهير الخلاف بين حزب الله من جهة وفريق كبير من اللبنانيين من جهة أخرى، وفي مجال مزيد من توضيح مضامين الصراع السياسي الذي لا تزال البلاد تعيش في خضمّه.
نصرالله.. وإستفتاء الجنوب
بيد أن خطاب السيّد في النبطية أول من أمس في ذكرى التحرير تطرّق الى نقطة أساسية إستوقفت المتابعين ـ والمهتمّين ـ ولا مفرّ من التوقف عندها. وهذه النقطة تتعلق تحديداً بما توجّه به الى الجنوبيين وبـالمهمة التي حدّدها لهم وبالمعاني التي أعطاها للإنتخابات في الدوائر الجنوبية.
قال نصرالله إن أهل الجنوب هم المعنيون أكثر من غيرهم بالمقاومة وسلاحها. وإذ قال للجنوبيين المقاومة تحميكم وأنتم تحتضنونها، المقاومة تدافع عنكم وأنتم تدافعون عنها، أكد أن المعني الأول بالتعبير عن الموقف من المقاومة هو أهل الجنوب، وأعلن أنه يجب أن نقدّم في الجنوب في 7 حزيران مشهد عرس بما يؤكد أن الجنوب لن يتخلى عن المقاومة.
لا جدال في الأهمية السياسية والاستراتيجية للجنوب لدى حزب الله. ولا جدال أيضاً في حجم ما يمثّله حزب الله جنوباً. كما لا جدال في أن السيد نصرالله يعلن أنه يريد من الإنتخابات في الجنوب أن تكون إستفتاء ـ عرساً لـالمقاومة أي لمشروع الحزب.. أي لـالثنائية التي يتمسك باستمرارها بين المقاومة والدولة بما أنه لا يملّ من إعلان عدم ثقته بـالدولة الحالية واضعاً شروطاً تعجيزية الى حد كبير لقيام الدولة القادرة والسيدة فعلاً.
تخصيص الجنوب عن سائر الدوائر
غير أن تخصيص نصرالله للإنتخابات في الجنوب باعتبارها إستفتاء ـ عرساً لـالمقاومة وسلاحها، هو ما يستحق النقاش فعلاً.
لم يقُل الأمين العام لـحزب الله إنه لا يريد للإنتخابات في كل لبنان أن تكون إستفتاء.. لكنه لم يقُل إنه يريدها كذلك. وهنا بالضبط تكمن المسألة. فإما أن حزب الله لا يريد تحميل حليفه المسيحي تحديداً عبء إستفتاء اللبنانيين في الدوائر المسيحية حول المقاومة. وإما أنه يعرف مسبقاً نتيجة هكذا إستفتاء إذا كان له أن يتم، وهي نتيجةٌ سلبية بالتعريف. وإما أنه يعرف ـ في قرارة نفسه ـ أن فريقه 8 آذار بصرف النظر عن عبء الإستفتاء لـالمقاومة عليه، ليس في وضع إنتخابي يتيح توقّع فوزه بالغالبية النيابية. وإما أنه يعلم أن تلبيس النتائج ـ حتى لو كانت إيجابية لـ8 آذار ـ بعداً مقاوماتياً كما في الجنوب، غير ممكن. وإما أنه يعلم كل ما سلف ذكره معاً.
خط الدفاع الجنوبي ـ الشيعي
وعلى هذا الأساس، ومع أن خطاب نصرالله لا يعني حكماً أن حزب الله يقرأ سلفاً نتائج الإنتخابات العامة في غير صالح 8 آذار، فإن ما عناه في مجال تخصيص الجنوب بـالإستفتاء ـ العرس، إنما يقع ـ نظرياً ـ بين حدّين أقصى وأدنى. الحد الأقصى هو أن يكون حزب الله في صدد التأشير الى عزمه جعل الإستفتاء في الجنوب إضافة الى النتائج العامة للإنتخابات، أي إبراز الخصوصية الجنوبية من ضمن اللوحة العامة. والحد الأدنى هو أن يكون حزب الله في صدد التحضير لـخط دفاع جنوبي ـ شيعي منذ الآن. وفي حالتي الحد الأقصى والحد الأدنى المشار إليهما، لا يخفى أن حزب الله لا هو متفائل بوضع حليفه المسيحي ولا هو قادر على أن يبني حساباً دقيقاً لوضع هذا الحليف.
وعليه، وفقاً لكل المعاني السابقة، لا يمكن النظر الى تخصيص نصرالله لإنتخابات النوب بـبعد مقاوماتي صرف، إلا على أساس كونه خطاً دفاعياً جنوبياً ـ شيعياً.
الولاء الشيعي المطلوب 100 في المئة
على أن النقاش لا يتوقف هنا.
ذلك ان اعتبارالجنوب وإنتخاباته خطاً دفاعياً، يفيد ان حزب الله اذ يريد للإنتخابات جنوباً ان تكون إستفتاء وعرساً لـالمقاومة، يعلن بوضوح انه يتطلع الى مشاركة جنوبية ـ شيعية في الاقتراع أعلى من كل الدورات الإنتخابية السابقة من ناحية، وأنه يطلب ولاء بنسبة مئة في المئة ـ أو ما يوازيها عملياً ـ من المقترعين من ناحية ثانية. أي ان خط الدفاع بقدر ما يؤشر الى إستعداد نفسي لعدم الفوز بالغالبية، يؤشر في الوقت نفسه الى توجّه إغلاقي للوضع الشيعي: ليفُز من يفُز بالغالبية فأنا الطائفة الشيعية والطائفة الشيعية أنا.. أي ـ مرة أخرى ـ لا حكم من دوني ولا حكم إلا بشروطي على قاعدة التماثل بين الحزب والطائفة.
الإستفتاء.. وحق تحرير المصير؟
والى كل ما سلف ذكره، ثمة بعدٌ يتجاوز المرحلة الإنتخابية الحالية وبعض جوانبها اللاحقة، ولا يجوز إسقاطه من التحليل.. والحساب.
في مخاطبته الجنوبيين أول من امس، دعاهم السيد نصر الله، الى ان يكون السابع من حزيران يوماً تدفعون فيه كل متآمر ومتواطئ على المقاومة ولبنان كي يكف عن التآمر والتواطؤ.
في ما يتجاوز الخطابة ومناسبتها والتعبئة والتحشيد ومقتضياتهما، يمكن لكلام نصرالله ان يحتمل معنى خطيراً. فأن تكون الإنتخابات إستفتاء ـ عرساً بمعنى الإلتفاف حول حزب الله ومرشحيه شيء وأن تكون إستفتاء قريبا من حقّ تقرير المصير شيء آخر تماماً. وفي مفردات خطاب نصرالله شيء من حقّ تقرير المصير. كأن نصرالله يقول إن إنحياز الجنوبيين لـالمقاومة وسلاحها ينهي أي بحث في موضوع الاستراتيجية الدفاعية ويكرّس ما هو قائم اليوم. كأن نصرالله يقول إن موقف الجنبويين مقرِّر وحده وليس فقط مقررا بأرجحية. لكأن في ذلك اعتباراً للجنوب فيدرالية في حد ذاتها.. بل لعل في ذلك تكريساً لـسابقتين: سابقة إعتبار منطقة معيّنة معنيّة بمسألة في ذاتها وأن لها الكلمة الفصل فيها وسابقة الإستفتاء من خارج القواعد الميثاقية والدستورية.
واذا كان يصعب إعتبار ان كل ما تقدم كان مقصوداً من السيّد، فان التنفيخ على اللبن جائز لمن إكتوى بالحليب!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.