أول من أمس، أعرب البطريرك نصرالله بطرس صفير عن خشيته من تعطيل الإنتخابات وتأجيلها. وفي خشيته هذه، كان البطريرك بمثابة لسان حال شطر كبير من اللبنانيين لا يملكون، حيال المشهد الذي يقدّمه فريق 8 آذار ـ وحزب الله في المقدمة ـ إلاّ أن يقدّروا أن أولوية التعطيل عادت إلى صدارة أولويات هذا الفريق.
الخطاب المتوتّر.. والممارسة المتوتّرة
بالفعل، ففي مقدّم المشهد، يبرز الخطاب السياسي التصعيدي المتوتّر لـحزب الله. وفيه تصعيدٌ لـتخوين فريق سياسي كبير هو فريق 14 آذار ولقسم كبير من اللبنانيين الذين يؤيّدونه. وفيه توتّر لا يخفى حيال المحكمة الدولية وصل إلى حدّ اعتبارها منتهية. وفيه الإصرار على مقاربة مرحلة ما بعد 7 حزيران بـنهج التعطيل وبـإسقاط هذا النهج على الدستور وعلى العملية الدستورية. وعلى الأرض، فإن ما يحصل في مناطق نفوذ حزب الله جنوباً وضاحيةً، مع تيّار الإنتماء اللبناني ورئيسه أحمد الأسعد، يشكّل مؤشراً بالغ الدلالة. ذلك أن الإعتداءات التي يتعرّض لها الإنتماء لا تعني فقط الضيق بإزاء وجود خط سياسي آخر ضمن الوضع السياسي الشيعي، ولا هي بـالضرورة إنعكاسٌ لـخوف من إمكان تحقيق الإنتماء لإنتصار إنتخابي يبدو صعباً بمقاييس كثيرة.. لكنها ـ أي الإعتداءات ـ تفيد أن حزب الله شديد التوتّر هذه الأيام.. حتى داخل مناطق نفوذه، وهو توتّر كان الحزب يحرص على الأقلّ على عدم إظهاره.
الانتصار الإنتخابي المستحيل والعُقد المستعصية
لا بد إذاً من تفسير لهذا التوتّر.
في هذا الإطار، من الواضح أن حزب الله، بعد مرحلة من الحرب النفسية حاول خلالها أن يؤكد أن ثمة نتيجة واحدةً للإنتخابات في 7 حزيران هي انتصار 8 آذار فيها، إنما يعيد إكتشاف حقيقة أن هذه النتيجة مستحيلة. ومن جهة ثانية، يقترب موعدُ الإنتخابات حثيثاً فيما لم ينجح في التوصّل إلى معالجة العقد المستعصية بين حليفَيه الرئيس نبيه برّي والعماد ميشال عون، كما في دائرتَي جزّين وبعبدا، وهي عقد لا يمنع حزب الله نفسه من النظر إليها بوصفها عقداً بينه وبينَ الرئيس بري... ولو بطريقة غير مباشرة.
ربط النزاع بـالثلث المعطّل
في تفسير توتّر حزب الله إذاً، أن الحزب قلق حيال المرحلة السياسية اللبنانية التي تلي السابع من حزيران، ومن معطياتها وتموضعاتها المحتملة. ويعبّر عن قلقه بـربطه النزاع حول الثلث المعطّل، لا بل بمحاولة فرض الثلث المعطّل مآلاً وحيداً للعملية السياسية. وذلك كله ما دفع العديد من المتابعين إلى التساؤل: لو كان حزب الله مرتاحاً بالفعل، ومطمئناً إلى نتائج الإنتخابات الآتية، فما الذي يجبره على التوتّر.. وعلى إظهار هذا التوتّر العالي؟
تأسيساً على المقدّمات الآنفة، يمكن القول إن ثمة بالفعل ما يبرّر خشية البطريرك ـ ومعه لبنانيون كثر ـ من تعطيل الإنتخابات. ذلك أن حزباً ممتلئاً بهذا الكمّ من التوتّر من ناحية وغير ديموقراطي من ناحية ثانية وقلقاً من أشياء معلومة وغير معلومة من ناحية ثالثة، يُمكن أن يقدم على التعطيل.
إختلاف الظروف بين العام الماضي واليوم
بيد أن التعطيل ليس أقل من نموذج 7 أيار. ونموذج 7 أيار 2008 لم يكن هو نفسه أقلّ من حرب أهلية ولو محدودة في الوقت وفي الجغرافيا.
وهنا، لا مفر من إستعادة ظروف 7 أيار 2008، الذي تصادف ذكراه الأولى غداً، لتبيّن إختلاف هذه الظروف الآن.
في 7 أيار 2008، إستفاد حزب الله من عامل المباغتة. صحيحٌ أن 7 أيار كان مسبوقاً بـإيحاءات من حزب الله بإمكان إستخدامه للسلاح في الداخل وبتحذيرات مقابلة من إستخدام هذا السلاح. وصحيحٌ أيضاً أن حزب الله كان منذ نهاية حرب تموز 2006 يدفع البلد تدريجاً إلى حافة الهاوية. لكن الصحيح كذلك أن عديدين راهنوا على العقل أو التعقّل أي على عدم إندفاع حزب الله بسلاحه نحو العنف والفتنة. لكنه باغت الجميع آنذاك إذ وضع كلّ حسابات التعقّل خلف ظهره.
الفراغات لبنانياً وعربياً ودولياً في 2008
وفي 7 أيار 2008، إستفاد حزب الله من الفراغ الدستوري في لبنان، أي من الفراغ في رئاسة الجمهورية ومن النزاع على مستوى الحكومة، ليفرض نوعاً من الأمر الواقع أو بالأحرى ليتحرك إنقلابياً.
وفي 7 أيار 2008، إستفاد حزب الله من لون من ألوان الفراغ على مستوى السلطة في الولايات المتحدة الأميركية، أي من المرحلة الإنتخابية الأميركية.
وفي 7 أيار 2008، إستفاد حزب الله من واقع أن الصراع العربي ـ الإيراني لم يكن حينئذ قد بلغ مستواه الحالي من الإحتدام، والذي تأتي مسألة خلية حزب الله في مصر لتسلّط الضوء عليه ولتعلن عنواناً رئيسياً من عناوينه.
..وفي 7 أيار 2008، إستفاد حزب الله من قرار سوري دفع بإتجاه 7 أيار وغطّاه وآزره.
ماذا عن النظام السوري اليوم؟
في قراءة دقيقة لظروف العام الماضي، يتبين أن جميعها غير قائم هذه الأيام. والأهم يمكن صياغته بسؤال هو الآتي: هل في وسع النظام السوري أن يغطي اليوم 7 أيار جديداً في لبنان؟ ثم هل يستطيع النظام السوري أن يشرح كيف دخل في 7 أيار السابق وكيف خرج منه بعد ذلك في الدوحة وبناء على ماذا؟
من هنا، وإذا كان ثمة ما يبرر خشية البطريرك صفير وعدد واسع من اللبنانيين من التعطيل، فإن ما قصدت إليه السطور السابقة هو الدعوة إلى ملاحظة الاختلاف في الظروف بين أيار 2008 واليوم. الاختلاف في الظروف الذي يجعل من أي قرار تعطيلي ـ تفجيري اليوم أكثر كلفةً سياسياً مما كان قبل عام.. أمام وضع لبناني غير قابل لأن يؤخذ على غفلة ووضع عربي معنيَ ووضع دولي مراقب.
المتراس الفعلي بعد 7 حزيران
هذه الخلاصة ليست لطمأنة النفوس ولا دعوةً إلى النوم على حرير. ولعلّها دعوة إلى إستنفار لبناني حول أهمية الإنتخابات ومصيريتها. وعلى أي حال، لا يمكن لأحد أن يطمئن، ولا يمكن لأحد أن يطمئن أحداً فيما يكرر حزب الله التذكير بـعظمة 7 أيار وبـعظمة إنجازاته.. لا بل لا يتردد في التذكير بأنه قادر على الخربشة وعلى الأذى.
غير أن هذه الخلاصة تهدف ـ في السياسة ـ إلى تسليط الضوء على حقيقة أن المتراس الفعلي لـحزب الله هو الثلث المعطّل، ما يرجّح إستخدامه لهذا المتراس بعد 7 حزيران، أكثر من إستخدامه الفعلي لمتاريس أخرى قبل 7 حزيران.. واليقظة واجبةٌ دائماً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.