8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

صفير يقفل مرحلة عون: الأمر لي مسيحياً

برسالة الميلاد أول من أمس، إختتم البطريريك الماروني نصرالله بطرس صفير السنة الجارية بمواقف أراد عبرها التذكير بالثوابت المسيحية، بثوابت الكنيسة، معلناً بوضوح رفضه تزويرها.
الثوابت في رسالة الميلاد
أكد البطريرك على ثابتة الاستقلال. واستكمالاً لما كان قاله قبل أيام رفضاً لـزيارات تأدية الطاعة في سوريا، شدّد على أنه عبثاً يتطلّع اللبنانيون الى هذه الجهة أو تلك خارج لبنان فلن يكون أصدقاؤهم أحن عليهم من ذواتهم.
وإعتبر التسوية اللبنانية ـ اللبنانية في إطار الاستقلال بمثابة ثابتة أخرى، أو هو قد رفعها الى مرتبة الثابتة. وهذا ما يعنيه في العمق قولُه إن اللبناني أبقى وأنفع للبناني من جاره بعيداً كان او قريباً.
وتمسك بثابتة العيش المشترك، مبدياً أسفه من أن كل طائفة تريد أن تقيم دولة وحدها.
وأعرب عن إقتناعه بأن الطائف ودستوره من الثوابت أيضاً، وذلك في امتداد تأكيده المتكرّر دائماً على أن التطبيق يسبق البحث في التعديل. وهذا معنى قوله إن الحكومة أشبه بعربة يجرّها حصانان أحدهما يشدّ بها الى الأمام والثاني يشدّ بها الى الوراء. وإشارتُه اللافتة الى أن كل عمل تريد الحكومة القيام به نرى في داخلها من يضاده ويقاومه ويسعى الى إحباطه. وتذكيرُه المتجدّد بأن العادة جرت في العالم كلّه أن تتولى الأكثرية الحكم (..). وفي ذلك رفضٌ صريح للتعطيل ومشتقاته وأبرزها الثلث المعطّل.
إذاً، من قراءة دقيقة لـنصّ رسالة الميلاد، لا يخفى أن البطريرك حدّد موقف الكنيسة في إطار ثوابت الاستقلال والعيش المشترك والدستور والتسوية اللبنانية، من أجل قيامة الدولة التي لاحظ أنها أصبحت غير متماسكة بغياب تلك الثوابت أو بتغييبها.
البطريرك في موقع الأمر لي
بيدَ أن البطريرك، عبر النصّ وأبعد منه، إنما يتّخذ لنفسه موقعاً محدّداً.
في جانب أول من هذا الموقع، أن سيّد بكركي يعلن ـ من دون تصريح ـ أنه هو على رأس الكنيسة من يحدّد الثوابت المسيحية، بل أن ما يحدّده هو المعيار. ويعتبر ـ من دون تصريح أيضاً ـ أن ما يطرحه يدخلُ في إطار المواقف الوطنية لا في إطار السياسة السياسية، أي من موقع مصلحة المسيحيين وحقوقهم ضمن البلد والشراكة فيه. لكأن البطريرك، بعد كل ما تعرّضت له الثوابت من انتهاك وتزوير من جانب بعض فرقاء الساحة المسيحية وحلفائهم الإقليميين، يعلنُ ـ من دون تصريح أيضاً وأيضاً ـ أن الأمر لي مسيحياً وعلى هذا الصعيد بالتحديد.
.. وموقع استنهاضي متجدّد
وفي جانب ثانٍ من هذا الموقع، أن رأس الكنيسة في لبنان الغاضب مما آلت إليه أوضاع لبنان، أي من الحال التي وصفتها رسالته الميلادية بدقّة، يقول ـ سياسياً وعملياً ـ أن المعركة من أجل تلك الثوابت، والتي يراها ثوابت مسيحية ـ لبنانية عامة، مستمرة ولن تتوقّف إلا ببلوغ الاستقلال اللبناني ودولته مرحلة الإنجاز ومرتبته.
أما الجانب الثالث المهم من هذا الموقع، فهو ـ تأسيساً على الجانبين الآنفين ـ أن البطريرك ينتقل مع نهاية العام 2008 وعلى مشارف العام 2009، الى دور إستنهاضي متجدّد لـقضية لبنان المستقل. ولن يكون ممكناً إحتساب ظروف العام المقبل ومعطياته وتوازناته بمعزل عن هذا العامل الرئيسي.
لكأنه يعود الى أيلول 2000
إذاً يبدو أن البطريرك صفير يقفل العام 2008 ويطوي صفحاته. بيدّ أنه في حقيقة الأمر يُنهي مرحلةً بكاملها استمرّت من العام 2005 حتى الأمس القريب. وهذا إستنتاجٌ لا يقوله البطريرك ولا يُستخرج من تحليل نصّه، بل تفسّره دورةُ ثلاث سنوات ونصف السنة، وجدَ البطريرك نفسه في نهايتها مضطراً الى البدء من جديد ـ إذا جاز التعبير ـ حاملاً الثوابت المسيحية ـ الوطنية على كتفيه. لكأنه يرى نفسه وقد عاد الى المربّع الأول: الى العشرين من أيلول 2000 مع النداء الأول لمجلس المطارنة الموارنة.
عون وضرب الثوابت
ليس سراً أن الجنرال ميشال عون استفاد في انتخابات العام 2005 من عوامل عدة ليحقق فوزاً انتخابياً كبيراً في ذلك العام، ومن هذه العوامل الالتباس أو الإشكال في العلاقة يومها بين حركة 14 آذار ومسيحييها من جهة وبكركي من جهة ثانية. وفي امتداد هذا الإلتباس أو الإشكال، قال البطريرك يومئذ جملته الشهيرة صار للمسيحيين زعيمهم. وبيطيعة الحال، ومن دون تحميل هذه الجملة فوق ما تحتمل، فإن البطريرك قصد الربط بين انتهاء الوصاية السورية وحصول أول انتخابات نيابية خارجها من ناحية واستعادة التمثيل السياسي المسيحي الى سياق أكثر طبيعية من ناحية اخرى.
لكن ليس سراً أيضاً ان عون ذهب، منذ ما بعد انتخابات 2005 مباشرة، بالتفويض المسيحي الى أماكن تتنافى وتتناقض مع الثوابت المسيحية وتخرج المسيحيين من موقعهم في صدارة المسألة الاستقلالية والسيادية وفي مقدم الحرص على العيش المشترك. بل ثمة ما هو أكثر من ذلك وأخطر. ذلك أن عون عمل على تأسيس العلاقات المسيحية ـ المسيحية بل ومجمل العلاقات اللبنانية ـ اللبنانية، على منطق توازن القوى، وذهب الى ما هو أبعد بالتصرّف على أساس أن توازن القوى المسيحي الذي كان في صالحه لفترة، هو توازن إلغاء للتعددية المسيحية وتهميش وشطب للكنيسة وإخضاع للمجموعات الاخرى. وهو عندما تغيّر توازن القوى السياسي تدريجياً إستقوى بتوازن قوى عسكري في مصلحة حلفائه.
ولذلك فإن الاعوام 2006 و2007 و2008 (الى ما قبل أسابيع قليلة)، شهدت محاولات لعون ـ ولمسيحيي النظام السوري معه ـ وضع الكنيسة المارونية بين خيار الانحياز له أو التعرّض لهجمات، وفرض شروط على ما سمي المصالحة المسيحية بل وتعطيلها، وفرض تعريفات لـالسياسة المسيحية بالضدّ من بكركي، وذلك كله بالتزامن مع تصدّر عون عملية تعطيل رئاسة الجمهورية شهوراً طويلة بالرغم من كون الرئاسة الموقع المسيحي الاول في الشراكة الوطنية، وبالرغم من مساعي البطريرك لإنهاء الوضع الشاذ بسرعة.
..وصفير يقفل مرحلة 2005 ـ 2008
برسالة الميلاد المعطوفة على مواقفه في الفترة الاخيرة، وتحديداً بعد أن أصبح الجنرال تهديداً سافراً للثوابت المسيحية، يُقفل البطريرك مرحلة 2005 ـ 2008 ويضع نفسه من جديد في مقدّم المعركة الاستقلالية، مضيفاً إليها ما اختزنه من مرارات تجربة تلك السنوات.
يكاد المرء يقول ان البطريرك يُقفل مرحلة عون. فللمسيحيين تعدديتهم، وكنيستهم... وموقعهم الاول على رأس الدولة. ويعرفون أين يقفون.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00