لا يستطيع أحدٌ أن ينكر أهميّة الحركة التصالحيّة في البلاد وإيجابيّتها، منذ أن بدأها زعيم تيّار المستقبل سعد الحريري في طرابلس والشمال خلال شهر رمضان الماضي وصولاً إلى لقائه بالأمين العام لـحزب الله السيّد حسن نصرالله ليل الأحد الفائت، مروراً بلقاء خلدة قبل مدّة بين الحزب التقدّمي الإشتراكيّ وحزب الله في دارة الوزير طلال أرسلان. وكما أنّ أحداً لا يستطيع أن ينكرَ أهميّة لقاءات المصالحة أو المصارحة التي تمّت والتي يمكن أن تتمّ، فإنّ أحداً في المقابل لا يستطيع إلاّ أن يستهجن تعثّر المصالحة المسيحيّة على أبواب المردة بفعل تحنّط رئيسه في الماضي.
لقاء الحريري ـ نصرالله: إلى الإنتخابات
في البيان الصادر عن لقاء الحريري ـ نصرالله، كما في التوضيحات التي أعطاها الطرفان للقاء ودوافعه وحدوده، كانَ واضحاً أنّ الطرفَين يؤكدان على انّهما إثنان وليسا واحداً، وانّهما مختلفان بل متصارعان سياسياً، وأنّ كلّ واحد منهما في ضفّة، وانّ ما إتفقا عليه يدخلُ في خانة عدم إفساد الودّ في الخلاف.. أي تبريد الأجواء من أجل أن يكون الصراع السياسيّ في الإطار السلميّ والقانوني والديموقراطيّ. وكانَ واضحاً أنّ الطرفين قصدا من اللقاء ومن نتائجه أن يحصل فضّ إشتباك أمنيّ في مناطق التماس أو الإحتكاك، في سبيل أن يستمرّ الخلاف والصراع.. ديموقراطياً. أي انّهما إتّفقا على انّهما مختلفان وسيستمرّان.. وعلى انّ الانتخابات النيابيّة المقبلة لن تنهي الخلاف ـ إذا كان له أن يستمرّ ـ لكنّها سترجّح دفّة أحد طرَفي الخلاف. أي أنّ اللقاء نفسه كما سائر اللقاءات الأخرى ـ ما تمّ منها وما يمكن أن يتمّ ـ بهدف الذهاب إلى الانتخابات.
في هذا السياق، كان مهماً جداً أنّ الفريقَين، بما أنّ فضّ الإشتباك يندرج في أفق الإنتخابات، إتفقا على أن يتمّ فكّ الإشتباك هذا بواسطة الدولة، أي بواسطة قواها الأمنيّة الشرعيّة. وهذا معناه أن تتولّى الدولة الحسم بإزاء أيّة أحداث.
الأمرُ نفسُه، أي فض الإشتباك هو ما أكّد عليه وفدا التقدّمي وحزب الله بعدَ لقائهما السابق، وسيؤكّدان عليه على الأرجح في لقاء آخر، ودائماً بأفق الإنتخابات. وينطبق الأمر أيضاً على المصالحة المسيحيّة إذا قُيّض لها أن تحصل.
بين الإتفاق على سلميّة الصراع وتكريسها
إلامَ تهدفُ هذه المقدّمة التي تعرض لما توصّلت إليه الحركة التصالحيّة حتّى الآن؟.
لا شكّ أنّ الهدف الأوّل منها هو وضع لقاءات المصالحة أو المصارحة في حدودها الفعليّة، ما يعني عدم المبالغة في قراءة ما تمخّضت عنه من نتائج أو تضخيمها على أهمّيتها من ناحية وعدم التقليل منها على حدّ سواء من ناحية ثانية، أي إحتسابها بـميزان الدقّة.
والهدف الثاني هو القول إنّه، على أهميّة التبريد وفضّ الإشتباك، لا يمكن إعتبار أنّه بات للبنانيين حزام أمان أو شبكة أمان. ذلك أنّ ثمّة مسافةً لا تزال بعيدةً بينَ الإتفاق مبدئياً على أن يبقى الصراع السياسيّ في الإطار السلمي والديموقراطيّ والدستوري وبين أن يكون الصراع السياسيّ كذلك بالفعل. والمسافةُ لا تزال طويلة بين الإتفاق على هذا الأمر وبينَ ضمانه. بينَ الضمان اللفظيّ والضمان الفعليّ العمليّ.
ماذا يكفل سلامة الإنتخابات؟
في ظلّ الصراع السياسيّ المحتدم، والذي لا شيء يدعو إلى إستنكار إحتدامه في الإطار السياسيّ، لا يمكن القول إنّ ما جرى إلى الآن أنتج ضماناً حقيقياً في ما يتّصل بالإنتخابات، أمنُها وأمانُها. وليسَ ما يكفل أن تكون الإنتخابات المقبلة آمنةً، لمجرّد أنّ ثمّة تبادلَ وعود وتأكيدات في هذا الشأن. ذلك أنّه عندما يؤكّد طرفا الصراع أنّ الإنتخابات النيابيّة المقبلة مفصليّة لكلّ منهما ومصيريّة للبلد، أو عندما يعلنُ فريق آذار ولو تهويلاً أنّ النتائج محسومة سلفاً، لا بدّ عندئذٍ من كفالة فعليّة لسلامة العمليّة الإنتخابية.
يوم الإنتخابات: خط تماس كبير؟
لكلّ لبنانيّ أن يتصوّر، في ضوء الصراع السياسيّ المحتدم، أنّ لبنان كلّه سيكونُ يوم الإنتخابات أشبه بـخطّ تماسّ كبير أو منطقة إحتكاك كبيرة أو منطقة إحتمال إحتكاك. في السياسة، لبنان هو كذلك حتّى قبلَ الإنتخابات. وليسَ هناك ما يؤكّد أو يُثبت أنّ خطّ التماسّ السياسيّ غير قابل للتحوّل إلى خطّ تماس أمنيّ في لحظة واحدة. وما حصل حتّى الآن في إطار الحركة التصالحيّة العامّة لا يقدّم صمانات بهذا المعنى.
في نقاط الإتفاق بين رئيس المستقبل والأمين العام لـحزب الله أن تتولّى الدولة بقواها الأمنيّة الحسم في مناطق الإحتكاك. أي في منطقة أو منطقتَين أو ثلاث. لكن ماذا إذا صار البلد كلّه خطّ تماس كبيراً، خصوصاً أنّ الإنتخابات المقبلة تجري في يوم واحد في كلّ لبنان؟.
المصالحة الناقصة.. والآليّة
لذلك، فإنّ الهدف الثالث من المقدّمة السالفة، هوَ تظهير إستنتاج مهمّ جداً.
إنّ المصالحات أو المصارحات، ما حصلَ منها وما يمكن أن يحصل، ناقصة. وستبقى ناقصة ما لم تنتقل القيادات، تتّمةً للقاءات المصالحة أو المصارحة إلى البحث الجماعيّ في الضمانات لسلامة الإنتخابات.
إنّ المطلوب إذاً هو بلورة آليّة محدّدة لسلام الإنتخابات ونزاهتها وديموقراطيّتها. وما ينقص هو هذه الآليّة بالتحديد. العنوان العام لهذه الآليّة هو ما إتّفق الحريري ونصرالله عليه بالنسبة إلى مناطق الإحتكاك على المصغّر. والمطلوب آليةً لكيفيّة تولّي الدولة الحسم على المكبّر.
مهمّ جداً أن يقول الأطراف لبعضهم إلى الانتخابات بعدَ الإتفاق على التبريد. لكن ذلك وحده لا يكفي. وواجب القيادات أن تطوّر آليّة من ضمن الدولة بما يضمن أنّ أحداً لن يتجرّأ على أمن الإنتخابات. فهل من حقّ أحد أن ينسى أنّ ثمّة أطرافاً خارج المصالحات حليفةً لأطراف داخل المصالحات، ويمكن أن تتجرّأ مأذونةً أو غير مأذونة؟.
الخطوط الإقليميّة
وما يزيد من أهميّة ملاحظة النقص ومن التشديد على إستدراكه، هو انّ الوضع الإقليمي حول لبنان مليء في الفترة الحاليّة وإلى أمد منظور بمجموعة خطوط تماس.. أو بكلام أدقّ خطوط لعب. هناك خطّ التحالف السوريّ ـ الإيرانيّ وخطّ التمايز أو الإختلاف السوريّ ـ الإيراني. وهناك خط الصراع الإسرائيليّ ـ الإيرانيّ، وخط التفاوض الإسرائيليّ ـ السوريّ. وهناك خط المواجهة الأميركيّة ـ الإيرانيّة وخطّ التسوية الأميركيّة ـ الايرانيّة المحدود زمنياً. وهناك خطّ الصراع الإسرائيليّ ـ الإيرانيّ، وخطّ التصعيد الأميركيّ ـ السوريّ وخطّ الإستعداد السوريّ لـالتعاون مع الإدارة الأميركيّة.. الجديدة.
مجموعة لاعبين. ومجموعة خطوط متعارضة ومتقاطعة. ما يجعل لبنان، على تقاطع هذه المعطيات جميعاً، معنياً بـتأمين وضعه وبضمان مساره السياسيّ.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.