8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مرحلةٌ إقليمية مختلفة.. ومرحلة أمنية لبنانية مختلفة أيضاً

لم يخطئ رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع عندما كشف، بُعيد التفجير الإرهابي في طرابلس أول من أمس، أنّه حائرٌ في تحديد الخانة السياسية للتفجير وفي توجيه إتهام سياسي محدّد إلى جهة معينة في شأنه.
"الإجتهاد" الأول: المخابرات السورية
فبالفعل، ومباشرةً بعد التفجير الإرهابي وفي الساعات الماضية، برزت ثلاثة "إجتهادات" رئيسية.
الأول يعتبر أنّ التفجير من صنع المخابرات السورية. ويستندُ هذا "الإجتهاد" إلى الباع الطويل لهذه الجهة في هذا المجال، وإلى كونها ترعى العديد من الشبكات الاستخباراتية وتملك "أدوات" شتّى أنشأتها خلال حقبة الوصاية السورية وصدّرت بعضها الآخر إلى لبنان بعد الإنسحاب السوري. كما يستندُ إلى تشابه ما بين تفجير طرابلس وتفجيرات سابقة في السنوات الماضية إستهدفت مناطق لبنانية سكنية ومدنيين وحافلات. ومع أنّ جنوداً من الجيش اللبناني كانوا الهدف الرئيسي المباشر لجريمة طرابلس، ممّا يفترض أخذُه في الإعتبار في "السياسة"، فإنّ ثمّة وجه شبه مع جريمة عين علق في شباط 2007، والتي تبيّن من التحقيقات أنّ عصابة "فتح الإسلام" نفّذتها، مثلما تبين أنّ هذه العصابة شبكةٌ استخباراتية سورية.
.."عودة" ما إلى لبنان
في الإطار السياسي لهذا "الإجتهاد" الأول، يتمّ الإستناد إلى معلومة توصف بأنها مؤكدة وتفيد أنّ مستويات عليا في النظام السوري أوصلت إلى من يهمه الأمر في لبنان أنّ سوريا لن تقف مكتوفة الأيدي حيال ما يجري في طرابلس منذ فترة من "مواجهات"، وأنّها ستتدخّل لأنّها معنية أمنياً و"بنيوياً" به (أي من زاوية علويّة). وهذا ما حدا بالعديد من الأوساط السياسية في الفترة السابقة إلى التحذير من وجود مخطط سوري لـ"العودة" إلى لبنان أو لـ"عودة ما" إليه من مدخل شمالي. وكذلك في الإطار السياسي، يعتبر أصحاب هذا "الإجتهاد" أنّ النظام في سوريا، تزامناً مع زيارة رئيس الجمهورية ميشال سليمان إلى دمشق ـ والتي إنتهت أمس ـ أراد تطويق هذه الزيارة ونتائجها سلفاً. فبالتفجير، يقول نظام دمشق إنّ سوريا تواجه أخطاراً من لبنان، أو إن أحداً غير سوريا لا يستطيع القضاء على الإرهاب وتحقيق الاستقرار في لبنان، أو إن استئناف العلاقات اللبنانية ـ السورية وتصحيحها لا يعنيان إلغاء النفوذ السوري بما في ذلك في "الملف الأمني" ومندرجاته المختلفة، خصوصاً أنّ النظام السوري أعلن مبكّراً أنّ وضع العلاقات اللبنانية ـ السورية على "السكة الصحيحة" مرتبطٌ بتغيّر توازن القوى السياسي اللبناني، وهذا ما تأكّد من نتائج الزيارة سليمان إلى دمشق أمس التي اقتصرت على إعلان التبادل الديبلوماسي بلا مهلة زمنية محدّدة، فيما "لا شيء" في الملفات الأخرى.
لكن لا يمكن الجزم
أصحابُ "إجتهادات" أخرى لا ينفون "الإجتهاد" الأول هذا، ويعتبرونه احتمالاً كبيراً بل يرجحونه. لكنهم يقولون إنهم لا يستطيعون الجزم به.
فمن وجهة نظرهم، إنّ النظام السوري الموضوع تحت الرقابة الدولية ـ والعربية ـ لا مصلحة له في إستئناف الرسائل الدموية إلى لبنان والإشارات الإرهابية، فيما يتطلّع إلى فك عزلته، وينتظر زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي مطلع أيلول المقبل. ومن وجهة نظرهم أيضاً، إنّ زيارة الرئيس سليمان إلى دمشق يريدها هذا النظام مناسبةً لإعطاء إشارة محدّدة ومحدودة حول سلوكه في لبنان ليُقنع ساركوزي ـ والمجتمع الدولي ـ بأنّه يغيّر سلوكه في لبنان ومنه، وبأنه يفي بما وعد به لجهة إقامة علاقات ديبلوماسية مع لبنان. ويضيفون ـ من باب المحاججة ـ أنّ التخطيط لـ"عودة" ما إلى لبنان لا يجعل طرابلس "ساحة وحيدة" للتفجيرات، وطرابلس وحدها لا تشكّل بوابة تلك "العودة".
"الإجتهاد" الثاني: إيران.. و"الإختلاف" مع سوريا
أمّا "الإجتهاد" الثاني فيرى أصحابُه أنّ التفجير من صنع إيراني، أي بواسطة مجموعات تابعة لإيران. ويستندُ هذا "الإجتهاد" إلى إشتغال طهران في الجانب الأمني ـ المخابراتي في لبنان خلال السنوات الماضية. ثمّة شبكات "مشتركة" إيرانية ـ سورية. وثمّة تمويلٌ إيراني حصل لجماعات إسلامية سنّية في طرابلس وغيرها. وهذا النوع من التفجير ليس صعباً على هذه الجهة الإقليمية.
وفي الإطار السياسي لهذا "الإجتهاد" أنّ إيران شديدة الإنزعاج من التطورات اللبنانية ومن تحولها إلى هدف سياسي من جانب فريق سياسي أساسي من اللبنانيين. وفيه أنّ إيران قد ربطت على ألسنة مسؤولين كبار فيها، الإنفراج في لبنان بالإنفراج بينها وبين المجتمع الدولي في المسألة النووية. وفي الإطار السياسي أيضاً أنّ "الإختلاف" يزداد وضوحاً بين "الجمهورية الإسلامية" وسوريا، وقد بات كل منهما مساراً منفصلاً عن الآخر، سواء من زاوية تعامل المجتمع الدولي معهما أو من زاوية تعاطي كل منهما مع القضايا الإقليمية. وبهذا المعنى يرى أصحاب هذا "الإجتهاد" أنّ تفجير طرابلس ـ تماماً لأنّها منطقة حسّاسة طائفياً ومذهبياً ـ هو رسالةٌ دموية بمناسبة زيارة الرئيس سليمان إلى دمشق إلى كلّ من رئيس الجمهورية والنظام السوري بأن الثاني يلتقي الأول "محسوماً" منه الدعم الإيراني من ناحية، وبأنّ إيران شريك في لبنان من ناحية ثانية، وبأنّ أيّ "بيع وشراء" من جانب نظام دمشق من وراء ظهرها لن "يمشي" من ناحية ثالثة.
..ولكن العلاقات الإيرانية ـ السورية ليست تصادميّة
وهنا أيضاً وكما بالنسبة إلى "الإجتهاد" الأول، فإنّ أصحاب "إجتهادات" أخرى لا ينفون الثاني ويعتبرونه إحتمالاً كبيراً. بيد أنهم يمتنعون عن الجزم به، ويقولون إنهم مع ملاحظتهم حقيقة أنّ سوريا وإيران باتا مسارين ولم يعودا مساراً واحداً، لا يرون موجباً لتقدير أنّ العلاقات الإيرانية ـ السورية ذاهبةٌ نحو "الإفتراق" أو "الطلاق" إلى حدّ "التصادم" كي يبدأ تبادل رسائل إقليمية أمنية في لبنان وعبره.
"الإجتهاد" الثالث: تطرّف إسلامي ولكن
أمّا "الإجتهاد" الثالث فيعتبر أنّ التفجير من فعل "إسلاميين" ما. ويسارع أصحابُ "الإجتهاد" إلى القول إنّ المجموعات الإرهابية "المتلطية" بالإسلام والمعروفة حتى الآن ليست سوى شبكات استخباراتية، وأنّ التفجير لو كان من فعلها، فإنّه يندرج في خانة أحد "الإجتهادين" السابقين. لكنهم يتساءلون ما إذا كان ما شهدته طرابلس من ضغوط كبيرة في الشهور الماضية، وما إذا كان ما تعرّض له السنّة في بيروت والبقاع والشمال من إعتداءات، قد استطاع ـ بهذه السرعة ـ أن يولّد تطرّفاً إسلامياً محلياً يتجاوز مطالبات بالتسلّح في وجه "السلاح الآخر" إلى ممارسة إرهاب موصوف.
وهنا أيضاً وأيضاً، لا ينفي أصحاب "إجتهادات" أخرى هكذا إحتمال بالمطلق وإن كانوا يستبعدونه. والإستبعاد يستند إلى أنّ مجموعات متطرّفة ناشئة حديثاً لا تستطيع أن تنفّذ تفجيراً بمثل "الحِرفية" التي نفّذ بها تفجير طرابلس أول من أمس، ولا تستطيع أن تبني لنفسها قدرات وهيكليّات في وقت قصير نسبياً.
المرحلة الإقليمية "الجديدة"
على أنّ تسجيل صحة حيرة الدكتور جعجع، في إمتداد إستعراض "الإجتهادات" الثلاثة السالفة، لا يمنع من تسجيل إستخلاصات.
فإذا كانت القدرةُ على الجزم بأي خانة يوضع فيها التفجير الإرهابي في طرابلس غير مكتملة حالياً وإن كانت المخابرات السورية "تلبس" هكذا جرائم إرهابية بحكم "التجارب"، فإنّ أهم إستخلاص على الإطلاق هو أنّ ثمّة مرحلة إقليمية "مختلفة" لا بدّ من "ملاحظتها" أولاً ومتابعتها ثانياً ودراستها ثالثاً ومواجهتها رابعاً وأساساً.
ذلك أنّ أولى "طلائع" هذه المرحلة هي أنّ لها تبعات أمنية، وسياسية تالياً في لبنان. وحذارِ من عدم التعاطي بالجدية اللازمة مع أي من "الإجتهادات" الآنفة الذكر، أو معها مجتمعة متداخلة، لأنّ لبنان يدخل مرحلةً إنتقالية جديدة تصاحبها مرحلة إقليمية مليئة بالتعقيدات وليس بديهياً بالمرّة أنها تنبئ بتسويات، ومعطياتها تؤشّر أقلاً إلى مخاض طويل وعسير.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00