لا مبالغة في القول إنّ البيان الوزاري لحكومة العهد الأولى هو الأول من نوعه لحكومة في لبنان بعد الطائف، لجهة تمحوره حول نقطة رئيسية هي الدولة وسيادتها ووحدانيّتها ومرجعيتها، ولجهة تكرار هذه النقطة وتأكيدها على إمتداد فقراته. أليس معلوماً اليوم انّ الرئيس الشهيد رفيق الحريري كان ممنوعاً من جانب الوصاية السورية من ذكر إتفاق الطائف كمرجعية للدولة في أي من بيانات حكوماته أي في الخطاب الرسمي للدولة اللبنانية؟.
تجربة "إتفاق القاهرة" 1969
ومع ذلك، لا يمكن القول إنّ "مسألة السلاح" قد حُسمت وإنه لم يعُد ثمّة إلتباسٌ بشأنها.
وفي مجال الحديث عن "مسألة السلاح" هنا، لا بدّ من التوقّف عند تجربة تاريخية مرّ بها لبنان، على سبيل محاولة الإستفادة من دروسها.
في الثالث من تشرين الثاني 1969، وقّع لبنان بوفد ترأسه قائد الجيش إميل بستاني إتفاقاً مع منظمة التحرير الفلسطينية بوفد ترأسه الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، سُمّي "إتفاق القاهرة" باعتباره وقّع في مصر وبرعاية مصرية. وإذ وُضع ذلك الإتفاق تحت عنوان "تنظيم الوجود الفلسيطيني المسلّح"، فإنّه أعطى لـ"الثورة الفلسطينية" العديد من "التسهيلات" العسكرية والتسليحيّة والقتالية بما في ذلك منطقة بحالها في العرقوب صارت تعرف بعد ذلك بـ"فتح لاند". واللافت أنه، وحرصاً على "شكليّات" معيّنة أو على أن يبدو النصّ تسووياً، جرت الإشارة بشكل متكرّر في "إتفاق القاهرة" إلى "سيادة الدولة اللبنانية" و"القوانين اللبنانية"، أي جرى النصّ على ألا يتناقض العمل الفلسطيني المسلّح مع سيادة الدولة اللبنانية.
...أي تجربة السلاحَين على الحدود وفي الداخل
كلّ ما جرى بعد ذلك، وفي ظروف معيّنة ولأسباب لبنانية وأخرى فلسطينية وثالثة عربية ورابعة إقليمية وخارجية، يفيد أن ليس فقط لم يتمّ الإلتزام بـ"ضوابط" الإتفاق ـ أي بسيادة الدولة اللبنانية ـ بل إنّ الوجود الفلسطيني المسلّح تمدّد إلى كل المناطق اللبنانية وصار السلاح الفلسطيني في بيروت مثلاً جزءاً من سلاح "الثورة" في العرقوب وللدفاع عنها.. أي صار السلاح في الداخل للدفاع عن السلاح على الحدود.
بطبيعة الحال، إنّ ما تقدّم لا يمثّل إحاطةً كاملة بظروف تلك المرحلة من تاريخ البلد، ولا يمكن أن يختصر كلّ تناقضاتها ولا ما نتج عنها ولا الإصطفافات ومبرّراتها. بيد أنّ في هذه المقدّمات ما يسمح بعددٍ من الإستنتاجات.
السيادة واحدة أو تسقط
ثمّة إستنتاجٌ أول، وهو أنّ ذكر "سيادة الدولة" والتأكيد على تلك السيادة في نصّ سياسي، لا يعني أن النصّ "يحقّق" سيادة الدولة. والسبب هو أنّ هناك أمرين متناقضين لا يجتمعان في هكذا عنوان. فالتناقض طبيعي بين سيادة الدولة وبين جهة "أخرى" تمارس وظائف من صلب سيادة الدولة، وهي سيادةٌ متى اجتُزئت أو وزّعت سقطت.
وثمّة إستنتاجٌ ثانٍ، وهو أنه يستحيل تقسيم السلاح إلى سلاحَين، واحدٌ "ثوري" أو "مقاوم" في الجنوب وآخر أمني داخلي، خاصة عندما يوضع السلاح الداخلي في خانة الدفاع عن سلاح الحدود وتحقيق "أمنه".
وثمّة إستنتاجٌ ثالث، وهو أنّ السلاح في الداخل ـ كجزء من السلاح على الحدود ـ إستخدم لمكاسب سياسية، وقد استقوى به فريق من اللبنانيين المؤيدين لـ"العمل الفدائي" الفلسطيني لتحقيق تغيير سياسي. وعندما لم تعُد الدولة السيّدة قادرةً على أداء أدوارها السيادية وضعفت حيال "الدولة الأخرى"، أطلق ذلك موجة عارمة من التسلّح والتسلّح المضادّ لدى الأطراف اللبنانيين.. وانفجرت حرب داخلية تدخّلت فيها عوامل شتّى محلية وخارجية.
وثمّة إستنتاجٌ رابع، وهو أنّ "إتفاق القاهرة" كان في أحسن الأحوال تسويةً بين الدولة ـ أي جيشها ـ والعمل الفلسطيني المسلّح. لكنّه لم يكن تسويةً لبنانية ـ لبنانية تعالجُ الخلاف اللبناني ـ اللبناني في شقّيه الرئيسيين آنذاك: موقع لبنان من الصراع العربي ـ الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، والخلل في النظام السياسي اللبناني. وهذا ما يعني أن لا جدوى من "صفقة أمر واقع".
البيان الوزاري وإشكالية السلاحَين
الآن، وبعد هذا "المدخل" مِن التاريخ وعِبره ـ ولو بسرعة ـ فإنّ ما يمكن قوله في إمتداد الحديث عن البيان الوزاري وعلى "هامشه"، هو الآتي:
إذا كان صحيحاً ـ وهو صحيح بالفعل ـ أنّ البيان الوزاري يحتوي على "تقدّم نصوصيّ" يضع الدولة وسيادتها في مقدّم الأولويات، وإذا كان صحيحاً ـ وهو صحيح أيضاً ـ أنّ هذا البيان قدّم تطمينات بشأن الأمن الداخلي وتعهّدات بأن تضطلع الأجهزة الأمنية الشرعية بدورها حيال الوطن والمواطن، فإن الصحيح كذلك، بل الأصح هو أن عدم حسم مصير "السلاح المقاوم" سيُبقي "مسألة السلاح" ككل غير محسومة، وسيُبقي الموضوع الأمني في الداخل "رجراجاً".
مفهوم تماماً ألا يكون البيان الوزاري حسم الأمر "نهائياً" في الظروف التي تشكّلت الحكومة فيها واعتباراتها وتوازناتها. غير أنه لا يصحّ اعتبار البيان تسوية أو حتى تسوية مرحلية. ذلك أن النصّ بقدر ما يمكن أن يكون "محطة" نحو التسوية يمكنه أن يكون من وجهة نظر البعض ـ لا سيما "حزب الله" ـ المحطة الأخيرة أي "آخر" ما يقبل به.
حوار بعبدا وإستراتيجية "الدولة"
وعليه فإن مؤتمر الحوار الوطني في بعبدا هو المعوّل عليه أن ينتج تسوية حقيقية في "مسألة السلاح". وكي تكون تسوية حقيقية فلا بد أن تقوم على مبدأ السيادة المطلقة للدولة، لا على تنازع حولها. السيادة المطلقة للدولة، أي "كل شيء" من ضمن الدولة لا على جانبها أو في موازاتها.. و"المقاومة" ضمن الدولة. والاستراتيجية الدفاعية هي لـ"الدولة" وليست لـ"المقاومة". ولا يعدّل في هذا "الحكم" أن التجربة التي عرضتها المقدمة كانت مع الفلسطينيين أي مع غير لبنانيين، بل يزداد "الحكم" معنىً لأن "المقاومة المسلّحة" هي اليوم من لبنانيين. كذلك يزداد المعنى في وقت زالت "الأسباب التحريرية" للسلاح.. حتى في البيان الوزاري نفسه إذ أكد الإلتزام بالقرار 1701 "بكل مندرجاته".
نسيب لحود: "كنف الدولة" ربطاً للنزاع
في غضون ذلك، كان تحفّظ وزراء 14 آذار المسيحيين عن عدم إضافة عبارة "كنف الدولة" على فقرة "حقّ لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته"، تحفّظاً في محلّه. لا شك أن الوزير نسيب لحود الذي تعود إليه "ملكية" هذه العبارة، يعرف تماماً أن إضافتها نصاً جيدة و"مكبّلة" لكنها لا تُنهي "مسألة السلاح" طالما أن الاستراتيجية الدفاعية لـ"الدولة" لم تُرسم. هي عبارة محرجة.. ومفيدة في "المحاججة السياسية". وبهذا المعنى فإن التحفّظ عن عدم إضافتها، هو بمثابة ربط نزاع سياسي مع "الفريق الآخر".
ليس خافياً أنه لم يكن ممكناً أن يشارك كل وزراء 14 آذار الـ16 في التحفّظ. ذلك أن تحفّظ الـ16 كان سيؤدي إلى عدم إقرار البيان الوزاري وصدوره، إذ كيف يصدر بيان وزاري يتحفّظ بشأنه أكثر من نصف أعضاء مجلس الوزراء؟ غير أن التشارك في ربط النزاع السياسي أمر مفروغ منه. على أن ربط النزاع وحده لا يكفي. وسيكون على 14 آذار مجتمعةً درس كيفية متابعة المعركة السياسية بأفق الوصول الى التسوية الحقيقية المنوّه عنها آنفاً على "طاولة بعبدا".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.