8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

بين تجربة شهاب ـ عبد الناصر وتجربة لحود ـ الأسد

لا مبالغة في القول، إنّ الزيارة التي يقوم بها الرئيس ميشال سليمان إلى دمشق في الأيام القليلة المقبلة، وهي الأولى له إلى سوريا كرئيس للجمهورية، ستكون بمثابة "إمتحان دخول" إلى الحكم.. وإلى "التاريخ" في آن، خاصّة انّ الأيام السبعين منذ إنتخابه كانت من ضمن ما يسمّى تقليدياً "فترة السماح" التي "تُعطى" لرئيس الجمهورية في بداية عهده.
رفع سقف التوقّعات تزامناً مع موقف سوري "سيئ"
منذ أيام، إستبق سليمان زيارته هذه بـ "رفع سقف التوقّعات". أعلن أنّ الجميع في لبنان سيكتشف انّ سوريا ـ أي النظام الحاكم فيها ـ ستُعطي لبنان كل ما يطمئنه و"يريحه". ولذا صار الإمتحان أصعب.
تزامن رفع الرئيس سليمان لسقف توقّعاته مع موقفٍ للنظام السوري لا يحمل على الإعتقاد أنّ ثمّة مراجعة سورية جديّة لتجربة العلاقات اللبنانية ـ السورية.
وزير خارجية نظام دمشق وليد المعلم إعتبر ـ من القصر الجمهوري في بعبدا ـ أنّ العلاقات اللبنانية ـ السورية لن تنطلق على السكّة الصحيحة إلا بعد الانتخابات النيابية اللبنانية ربيع العام المقبل. ولا يُخفي هذا التصريح رهان نظام الأسد على تغيير سياسي يأتي بأكثرية "جديدة" حليفة له بل موالية.. وتابعة.
وفي اليومين الماضيين، وبعد أن كانت العاصمة السورية تؤكد أنّ "تصحيح" العلاقات مع لبنان مرتبط بقيام "حكومة الوحدة الوطنية"، وصفت دمشق هذه الحكومة بالذات ـ والتي تشكّلت بالفعل ـ بأنّها حكومة "نصف صديقة" لسوريا.. أي "نصف معادية" بل "معادية" ربّما.
الإمتحان الصعب.. والمفارقة
إذاً، ثمّة "مفارقة" كبرى تحكم زيارة الرئيس سليمان.
سليمان الذي يحظى بدعم عربي ودولي وبإجماع لبناني غير مسبوقَين، يذهب إلى دمشق حيث النظام لا "يعترف" إلا بنصف لبنان بأبعد تقدير، وغير مستعدّ لإقامة علاقة مع "الدولة" اللبنانية بل مع مجموعات سياسية موالية، وحيث النظام معزولٌ عربياً وفي مرحلة إختبار دولي لـ"سلوكه".
معيارٌ أول للنجاح: المقاربة الإستقلالية للعلاقات
ولذلك أيضاً، صار الإمتحان الذي يقدّمه سليمان أصعب.
بيد أنّ هناك معايير لنجاح رئيس الجمهورية في عبور الإمتحان المذكور.
وفي هذا المجال، لا شكّ أنّ المعيار الأساسي يتمثل في تمكّن الرئيس من مقاربة العلاقات اللبنانية ـ السورية من منظور إستقلالي سياديّ دولتيّ، ومن منظور ضرورة تطوير "المحصّلة" التي أنتجها مؤتمر الحوار الوطني في العام 2006. ذلك أنّ تمكّن رئيس الجمهورية من هكذا مقاربة يعني إنهاء مقاربة النظام السوري للعلاقات مع لبنان أولاً، ويعني إتخاذه ـ أي الرئيس ـ موقعاً مبادراً متقدّماً عشيّة الحوار الوطني المنتظر في بعبدا بعد عودته من سوريا ثانياً، بل يعني وضع الحوار الوطني أمام نتائج ووقائع تسمح لـ"طاولة بعبدا" بالتركيز على أولويات أخرى لا سيّما السلاح والإستراتيجية الدفاعية ثالثاً، ويعني إنتزاع لبنان من البازار السوري مع إسرائيل تارةً والجتمع الدولي تارةً أخرى ..رابعاً.
المعيار الثاني: نتائج في مصلحة "السيادة"
أمّا المعيار الأساسي الآخر للنجاح في عبور الإمتحان فيتمثّل في عودة سليمان من سوريا حاملاً "تصحيحات" جدّية في العديد من الملفّات.
من نافل القول إنّ الملفات متعدّدة وإنّها كلّها أولويات. صحيح أنّ التبادل الديبلوماسي مطلبٌ لبناني تاريخي وانّ بتّه إنجاز. غير انّ الصحيح أيضاً ـ تزامناً مع التبادل الديبلوماسي وقبله حتّى ـ هو انّ تبادل السفارات إذ يتمّ بين دولتين مستقلتين متساويتين، يُفترض أن يتمّ أصلاً بين دولتين، سيادة كلّ منهما على أرضها محسومة. والحال انّ الحدود هي عنوان السيادة ووجب ترسيمها، ولذلك لا يُحكى عن الإستقلال إلا مقروناً بالسيادة.
وسيادةُ لبنان على أرضه تتطلب إنهاء كل مخلفّات زمن الوصاية السورية وفي مقدّمها السلاح خارج المخيمات الفلسطينية، وهو سلاحٌ سوري بامتياز لأنه جزء عضوي من المنظومة الأمنية ـ الإستخباراتية السورية.
أمّا إقفال ملف المفقودين اللبنانيين ـ أو الأسرى ـ في السجون السورية، فهو أساسي من أجل طيّ صفحة سوداء بين لبنان وسوريا، تمهّد لبحث مصير الاتفاقات السياسية والأمنية والاقتصادية المعقودة بينهما.
..من أجل حوار وطني متقدّم وعهد "إستثنائي"
وإذا كان من غير الممكن مطالبة الرئيس سليمان بالعودة من سوريا بإنجازات "كاملة" على صعيد كلّ الملفات، فمن المنطقي أن يعود منها بإقرار سوري بأحقيّة هذه الملفات وبجدولة لها وبإجراءات ملموسة على صعيد "الأسهل" منها كالمفقودين والسلاح خارج المخيمات مثلاً.
سيكون ذلك نجاحاً للرئيس من زاويتين على الأقل: فكّ إرتباط ملفات أزمة العلاقات اللبنانية ـ السورية بموازين القوى السياسية اللبنانية الداخلية من جهة و"تحرير" الحوار الوطني العتيد من مواضيع "تثقله" من جهة ثانية. وسيكونُ في وسعه عندئذٍ أن يسجّل عهده في خانة العهود الاستثنائية وإن كانت قليلة في تاريخ لبنان الحديث.
شهاب ـ عبدالناصر
وعلى ذكر "التاريخ"، ثمّة تجربتان متناقضتان لكنهما مفيدتان.
التجربة الأولى هي تجربة الرئيس اللبناني الراحل فؤاد شهاب. لم يحتجْ شهاب إلى أكثر من قمّة واحدة مع الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر، رئيس "الجمهورية العربية المتحدة" ـ بين مصر وسوريا ـ حينذاك عام 1959، ليؤسس علاقة واضحةً بين الدولة اللبنانية وسوريا.. ومصر، وليرتاح عهده، فتوصّل إلى "تسوية تاريخية" مع عبد الناصر استمرّت مفاعيلها سنوات، لكنها حافظت على خصائص لبنان "وحياده الإيجابي".
لحود ـ حافظ الأسد
أمّا التجربة الثانية، فتجربة الرئيس السابق إميل لحود. منذ اللقاء الأول ـ غير السرّي ـ بينه كرئيس للجمهورية وبين الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، ظهر جلياً آنذاك أنّ العلاقات اللبنانية ـ السورية "سوف" تكون علاقات بين "طرف" هو لبنان و"مركز" هو سوريا، وانّها علاقات إستتباع سوريّ للبنان، لكأن الأسد الأب أراد القول يومها "هذا ممثلي في لبنان" بعد أن "شدّ على خدّه". وبالفعل كان اللقاء إعلاناً لنهاية عهد لحود أسابيع بعد تسلّمه الرئاسة.
ربّ قائل بحقّ إنّ عبد الناصر نموذجٌ آخر غير حافظ الأسد وبشّار من بعده. الأول إحترم إستقلال لبنان ومميزاته، فيما الثاني إستلحقه وإستتبعه. بيدَ انّ الفارق هو بين نموذجَين حكما لبنان.
واللبنانيّون اليوم ميّالون إلى مقارنة الرئيس سليمان بالرئيس شهاب. ولذلك فانّ زيارته إلى دمشق هي إمتحانٌ ومحكّ، ويأملون "أن يعود منها رأس" كما يُقال. والمقارنة بينه وبين شهاب، قد تجعل الإمتحان أصعب، لكنها بالتأكيد تساعده، لأنّ أحداً يريد النجاح، لا يقارن نفسه بلحود، و"المحبّون" لا يقارنون بينهما.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00