عندما أعلن نائب الرئيس الإيراني رضا آغازاده الأسبوع الماضي أنّ التقدّم في المفاوضات بين إيران والمجتمع الدولي حول الملف النووي من شأنه أن يقود إلى حلول في لبنان والعراق وغيرهما، فهو لم يقل أمراً غير معروف ولم يكشف سرّاً. ومع ذلك قال ما قال.
وقبله عندما أعلن الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله اعتزازه بالإنتماء إلى حزب ولاية الفقيه فانّه ـ هو أيضاً ـ لم يقل أمراً غير معروف ولم يكشف سرّاً. ومع ذلك قال ما قال.
الإعلانان ليسا "سقطة" سياسية
في الحالتين، لا يمكن النظر إلى الإعلانَين بوصفهما خطأ سياسياً أو "سقطة" سياسية، لانهما تعبير عن "حاجة" في لحظة من اللحظات.
فالمسؤول الإيراني ـ في ما أعلنه ـ يعبّر عن حاجة إيران في لحظة تفاوض صعب مع المجتمع الدولي، إلى تأكيد الاستقواء بعلاقتها بعدد من الملفات الإقليمية من جهة وإلى ايهام نفسها بانّها تقدّم للمجتمع الدولي "حوافز" للتوصل معها إلى حلّ للمسألة النووية في مقابل "الحوافز" المقدّمة لها لوقف التخصيب من جهة أخرى.
إيران و"ورقة حزب الله"
وعملياً، فإنّ ما تقوله إيران، على لسان نائب رئيسها هو الآتي: إنّ لبنان (أي "حزب الله") والعراق "ورقتان" موظفتان في إطار مشروع تحوّل إيران إلى قوة اقليمية، وإنّ هاتين "الورقتين" ستكونان مطروحتين للتفاوض في إطار "المبادلة" بين النووي والوضع الاقليمي أو انهما ستكونان نتيجةً لمآل المفاوضات حول النووي.
أمّا "حزب الله" ـ في ما أعلنه بشأن الإنتماء إلى "حزب" ولاية الفقيه ـ فانّه يعبّر عن حاجة إلى تأكيد استقوائه بعلاقته "العضوية" بالجمهورية الإسلامية من جهة وإلى دفع الأمور إلى الأقصى بالتنبيه إلى أنّ قضيته "تصل" إلى إيران من جهة ثانية. ولعلّ هذا ما شاء أحد قياديي الحزب تأكيده قبل يومين في حديثه عن "المعادلة الإقليمية" التي تحصّن "حزب الله" ويتحصّن بها.
حشرة؟
بطبيعة الحال، ثمّة من يرى أنّ الإعلانَين الآنفين فضلاً عن كونهما تعبيراً عن "حاجة"، يعكسان نوعاً من "الحشرة" السياسية أيضاً. ومن وجهة نظر من يرى ذلك، فانّ إيران "محشورة" في ملفها النووي في ظل التخيير الدولي الحازم لها حالياً بين الحلّ الديبلوماسي للأزمة وبين الحلول "القاسية" ومن ضمنها العقوبات "المؤذية"، فتقوم بـ"عرض" و"إستعراض" أوراق تفترض انها "أوراق قوة". و"حزب الله" محشور بعد أن باتت "مقاومته" منتهية سياسياً و"تاريخياً".
غير انّ ما لا بدّ من التوقّف عنده في هذا السياق، يتعلّق بالمعاني "العميقة" ـ الأبعد من الظاهر منها ـ للإعلانَين ولو أن بضعة أسابيع تفصل بينهما زمنياً.
خسائر تموز 2006
فبصرف النظر عن إعتراف إيران أو عدمه، فانّها خسرت بنتيجة حرب تموز 2006 أي بالقرار الدولي 1701 "حدودها" المباشرة مع إسرائيل عبر "حزب الله". وبهذا المعنى فانّ الحدود الإيرانية ـ الإسرائيلية التي كانت حتّى حرب تموز "مغطّاة" بعناوين لبنانية وعربية، زالت الآن بالقرار 1701، أي أنّها لم تعد قادرةً على إستخدام "الجبهة" اللبنانية بعناوين لبنانية لاهداف إيرانية أي متّصلة بموقع إيران الاقليمي.
ولا يغيب في هذا الإطار، "التطوّر" الحاصل على خطّ التفاوض السوري ـ الإسرائيلي "غير المباشر" حيث علاقة النظام السوري بكلّ من إيران و"حزب الله" على "الطاولة"، ممّا يُسقط حتى الغطاء السوري الرسمي عن أي "مبادرة" عسكرية إيرانية عبر "حزب الله" من لبنان وبعناوين لبنانية أو عربية.
كذلك، وبصرف النظر عن إعتراف "حزب الله" أو عدمه، فانّه خسر بالقرار 1701 مبرّر وجود المقاومة. ولم يعد في وسعه ـ منطقياً ـ الحديث عن مقاومة بأهداف لبنانية، أي عن مقاومة مستقلّة عن الدولة ومتناقضة معها وبأهداف لبنانية. فتحرير الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية تمّ بالإستناد إلى الـ1701، ومزارع شبعا يجري بحثُها دولياً من ضمن الـ1701 ومن ضمن العلاقات اللبنانية ـ السورية من ناحية والسورية ـ الإسرائيلية من ناحية أخرى، والجولان في إطار التفاوض السوري ـ الإسرائيلي، والمسار الفلسطيني عدّة مسارات. ولعلّ هذا ما حدا بأحد قياديي الحزب قبل يومين إلى الإقرار بأنّ الوضع الاقليمي مستغرقٌ في أبحاث تسووية.
إنتهاء "المقاومة" بعناوين لبنانية
إذاً، في المعاني "العميقة" للإعلانَين الإيراني والحزب اللهي، معنى عميق رئيسي وهو انّ الجانبين يعلنان معاً انّ "مقاومة حزب الله" في لبنان ذات أهداف غير لبنانية ومتّصلة بمآل العلاقة بين إيران والمجتمع الدولي تسويةً أو مواجهةً.
لا داعي للقول إنّ الإعلانَين ـ موضوع النقاش ـ يكشفان "حزب الله" أي انّ الأمور باتت "عارية" إلى هذا الحدّ.
لكن المُستهجن فعلاً، في ضوء ما تقدّم، أن تكون "مقاومة حزب الله" وسلاحه مندرجَين في هذا الإطار الاقليمي ـ الإيراني وبمثل هذا الوضوح، وأن يطالب "حزب الله" ببيان وزاري يشرّعهما ـ المقاومة والسلاح ـ من جديد، بل أن يهدّد بعضُ قيادييه ـ ولو تلميحاً ـ بإستخدام القوّة لفرض هذا المطلب.
"السلاحُ للدفاع عن السلاح" لإنتهاء مبرّر السلاح
بطبيعة الحال، ثمّة مهام لبنانية تقع على عاتق الدولة التي يشارك فيها "حزب الله". وهي مهام تندرج في إطار خطّة دفاعية لـ"الدولة"، لكن أيّ "مقاومة خاصة" لم يعد لها مبرّر وجود، وغدا سلاحُها "إمتيازاً" سياسياً في الداخل وضدّه. غدا "السلاحُ للدفاع عن السلاح"(!) عندما لم يعُد من وظيفة مقاوِمة للسلاح.
و"كان" يفترضُ ـ لولا العلاقة العضوية بين "حزب الله" وإيران ـ أن أيّ مقاومة توصف بأنّها "ورقة" في إطار حسابات اقليمية، تُبادر إلى المطالبة بحوار وطني من أجل الاندماج في الدولة كي يصحّ إعتبارها عامل قوّة للدولة.
لكن ما العمل وإلى أين؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.