صار معروفاً تماماً ـ منذ أيار الماضي ـ أنّ السلاح يُستخدم في الداخل وضدّه. وصار معلوماً أيضاً انّه كلّما إحتدم الخلاف السياسي حول أي عنوان من العناوين، إنفجر الوضع أمنياً، في طرابلس على وجه الخصوص. والحال أن التفجير الأمني يستمرّ في الحدوث بعد "إتفاق الدوحة" الذي نصّ على تحريم إستخدام السلاح لأغراض سياسية أو لتحقيق مكاسب سياسية. والحال أيضاً إنّ الإعتداءات على طرابلس ـ التي توقّفت أول من أمس ـ على أمل ألا يكون توقّفها موقتاً حصدت قتلى وجرحى أكثر ما حصدته الإعتداءات في جولات سابقة منذ أيار "مجتمعة".
"إختيار" طرابلس: "المعقل" السنّي
على أنّ "إختيار" طرابلس لـ"مواكبة" التأزم السياسي من جانب "المعارضة"، ليس عشوائياً.
ذلك انّ عاصمة الشمال تمثّل المركز السنّي الأول في لبنان، أي مركز الثقل السنّي الرئيسي في البلاد. وليس خافياً أنّ 14 آذار ـ بواسطة طرابلس والشمال ـ حسمت أكثريتها النيابية في إنتخابات العام 2005.
وهكذا، أي تأسيساً على ما تقدّم، يمكنُ القول انّ للإعتداءات المسلّحة على طرابلس ظرفاً أو ذريعة من جهة وهدفاً مركزياً في إطار مجموعة من الأهداف من جهة أخرى.
الإعتداءات: محاولة إستنزاف لـ"تيار المستقبل"
الظرف أو الذريعة على صعيد الإعتداءات "الأخيرة" هما أزمة صياغة البيان الوزاري أو أزمة البيان الوزاري باختصار. وإذا كان الهدف المباشر هو الضغط ـ بواسطة القوّة ـ على صياغة البيان الوزاري لتأتي ملائمة لما يطالب به "حزب الله" وحلفاؤه، فانّ الهدف المركزي الثابت يتشكّل من ثلاثة "أضلع" إذا جاز التعبير.
"الضلع" الأول هو الضغط على عرين "تيار المستقبل" وزعيمه سعد الحريري، بما أنّ هذا العرين أثبت دوره في ترجيح الأكثرية في إتجاه "المستقبل" و14 آذار.
و"الضلعُ" الثاني هو إخضاع هذا العرين لـ"حرب إستنزاف" متواصلة، بما أنّ "حزب الله" لم يعُد عابئاً بالفتنة الإسلامية ـ الإسلامية، وذلك بأفق تغيير المعادلات السياسية داخل الطائفة السنّية لمصلحة "سنّة حزب الله".
أمّا "الضلع" الثالث فهو "حصيلة الضلعَين" الآنفين، أي إخراج الطائفة السنّية بتمثيلها السياسي من موقعها "الركنيّ" ـ أو المركزي ـ في معركة إستقلال لبنان وسيادته وحريته، أي إصابة حركة الإستقلال بـ"خلل" فادح.
الدور الأبرز لـ"حزب الله"
يؤكّد أهالي طرابلس والعديد من فاعلياتها أنّ "حزب الله" لعب الدور الأبرز في كل الجولات التي شهدتها المدينة حتّى الآن.
لعب الحزب دوراً تمويلياً للمجموعات الميليشياوية المقاتلة ولا سيما "الحزب العربي الديموقراطي". وقام بدورَين تدريبي وتسليحي. وكان دورُه ملموساً ومحسوساً على صعيد رفد الشمال بمقاتلين، بل كان مقاتلوه "على الأرض". وتفيدُ معلومات الأهالي والفاعليات أنّ الحزب "عمّم" خيراته على مجموعات سنّية ومسيحية، حتّى إذا ما "إضطرّ" في يوم من الأيام إلى تصعيد أكبر، كانت "المجموعات السنّية" حاضرةً لوضع يدها على المدينة، وكانت "المجموعات المسيحية" ـ الشمالية ـ جاهزةً لـ"الإسناد" بشتّى الوسائل من قطع الطرق والقصف الخ..
النظام السوري والتقاطع مع الحزب
يعتبرُ أهالي المدينة وفاعلياتها إذاً أنّ "حزب الله" هو مَن يقود "الجبهة" في منطقتهم.
لكن هل يعني ذلك أن ليس للنظام السوري علاقة بما يجري في طرابلس والشمال دورياً؟
طبعاً لا يجيبون. غير أنّهم يرسمون صورة "مركّبة" في هذا السياق.
يؤكدون أولاً أنّ النظام السوري، تزامناً مع الانسحاب من لبنان في نيسان 2005، أورث إلى "حزب الله" حلفاءه وأدواته وشبكاته.
تسلّمها "حزب الله" وأعاد تجهيزها و"برمجتها". ويلفتون في هذا الإطار إلى انّ "حزب الله" ـ بعد الإنسحاب السوري ـ تصرّف بوصفه "المرجعية" عن كل ما يتعلّق بهذه المنطقة، وتصرّف على أساس أن يكون "ممّراً" إلزامياً للنظام السوري إلى هذه المنطقة. وهذا ما يعني انّ أيّ موقف سوري، تفجيراً أو تهدئةً، يجب أن يمرّ بـ"حزب الله".
ويلفتون ثانياً إلى انّ ثمة قاسماً سياسياً مشتركاً بين النظام السوري و"حزب الله" في طرابلس والشمال، هو الإنتقام من هذه المنطقة "الأكثرية"، وهو تدفيعها ثمن ـ بل أثمان ـ إنحيازها إلى "تيار المستقبل" و14 آذار، وهو محاولة الضغط على المعادلة السياسية الطرابلسية، والشمالية.
..وتحسّسه حيال الفتنة السنّية ـ العلوية
بيد أنّهم يشيرون ثالثاً إلى "حساسيّة" خاصة لدى النظام السوري حيال الفتنة السنّية ـ العلوية، الأمر الذي يجعل هذا النظام يخشى من أن تتجاوز المواجهات حدّاً معيّناً، ومن أن تتوسّع وتكون لها تداعيات داخل سوريا نفسها، خاصة انّ منطقة الشمال قريبة من سوريا.
من هنا، وجواباً عن السؤال السابق بشأن علاقة النظام السوري بما يجري في طرابلس والشمال دورياً، يمكن القول ـ إستناداً الى معطيات الاهالي والفاعليات ـ إن له دوراً مؤكداً في الاعتداءات على الفيحاء، لكنه بحاجة كي يؤديه الى "حزب الله"، وبحاجة كي يوقفه عند حدود معينة الى "حزب الله" ايضاً.. اي انّ الأصل والأساس هو "حزب الله".. خاصة ان النظام في سوريا يعلم تماماً ان عودته الى لبنان ـ والشمال ـ استحالة كبرى.
إذاً؟ الذريعة: البيان الوزاري. الظرف: اشكالية تاريخية قابلة لـ"الاشتعال" في اي لحظة. الهدف: الضغط على عرين "مستقبليّ 14 آذاريّ" لتغيير المعادلة السياسية أي معادلة التمثيل السياسي.
أهداف "الاستنزاف" مشكوك في تحققها
لا شك ان "حرب الاستنزاف" التي يخوضها "حزب الله" في طرابلس، مباشرة وعبر ادوات، مُكلفة للمدينة. غير انه من المشكوك فيه جداً ان تحقق هدفها السياسي المركزي القاضي بإخراج الطائفة السنية من معادلة الحركة الاستقلالية عبر محاصرة التمثيل السياسي السني بـ"تيار المستقبل". ذلك ان "حرب الاستنزاف" هذه تستثير حساسية طائفية وتحرجُ قوى سياسية سنيّة حددت موقعها خارج 14 آذار وضدها في الأصل.
"الدوحة".. والأمن بـ"الفرض"
ومع ذلك، فإن ثمّة درسَين سياسيَين أساسيين لا بدّ من استخلاصهما في ضوء ما جرى في طرابلس في الأيام الماضية.
الدرس الأول هو ان النصّ "الامني" في "اتفاق الدوحة"، على أهميّته لا يشكل وحده ضمانةً. ولا بد له من آليات تضعها الحكومة في بيانها الوزاري لتطبقها وتنفذها، على اعتبار ان "التعهد" بعدم استخدام السلاح لا يكفي ولم يُحترم اصلاً.. وهو سلاحٌ تكرّر استخدامه في الداخل، والحديث عنه بوصفه سلاحاً مقاوماً ليس سوى ذرّاً للرماد في العيون.
أما الدرس الثاني فهو أن الجيش والقوى الامنية قادرون على "فرض" الأمن. ومن غير نقاش في اعتبارات التأخّر في ذلك وأسبابه، يمكن القول ان الجيش والقوى الأمنية لعلهم الآن امام فرصة تقديم "تجربة ناجحة" اي امثولة امنية "تربّي" الجميع في أي مكان بأن العبث بالأمن يرد عليه بالقوة لتكون للدولة هيبتها وللمواطن سلامه، خاصة إن تمّ ذلك بـ"العدل والقسطاس".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.