8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

على هامش قضايا الوضع اللبناني، المباشرة منها خصوصاً، وفي خضّم تطوّرات إقليمية عدة يؤشر بعضها إلى إنعطافات محتملة، ثمّة في العراق تجربةٌ جارية على قدم وساق تستحق التوقف عندها لإعطائها "حقّها" من ناحية وللتعرّف على كيفية الاستفادة منها من ناحية أخرى.
النجاحات الأمنية: أولوية قيام الدولة
لا شكّ انّ للتجربة العراقية ـ موضوع البحث ـ وجوهاً عديدة تستأهل التنويه.
الوجه الأول يتمثل في النجاحات الأمنية المتحقّقة في الآونة الأخيرة على يد الحكومة وقوّاتها المسلّحة، وهي نجاحاتٌ جعلت بلاد الرافدين أكثر أمناً بعد أن كانت خلال السنوات الخمس الماضية نهباً للعنف على أنواعه وللإرهاب المصدّر إليها.
والنجاحات الأمنية هذه متحقّقة "ضدّ" الميليشيات الدينية ـ السياسية من جهة وضدّ بؤر الإرهاب "القاعدي" ـ من "القاعدة" وأخواتها ـ من جهة ثانية.
وحقيقة الأمر انّ هذه النجاحات الأمنية تحصل في سياق تطوّر في المشروع السياسي العراقي باتجاه إقامة الدولة المدنية في العراق والتي لا تستقيم بوجود ميليشيات تمنع قيامها، وفي سياق تفاهمات أهلية داعمة لمشروع إقامة الدولة المدنية وداعمة للقضاء على العنف أو الإرهاب في كلا البيئتين الطائفتين الرئيسيّتين في العراق، السنّة والشيعة. وبهذا المعنى فانّ الإنجازات الأمنية تتحقّق على خلفية فكرة الدولة ومشروعها، وليست إنجازات مذهبية.
تطوّر "الفكر السياسي الشيعي" في العراق
أمّا الوجه الثاني الأهم للتجربة العراقية فيتمثّل في تطوّر "الفكر السياسي" الشيعي أي لدى التيارات السياسية الشيعية الرئيسية في العراق.
يمكن القول بلا تردّد إنّ ثمّة صحوةً شيعية. صحوة وطنية عربية. صحوة دينية. وصحوةٌ "دولتيّة".
كلّ التيارات السياسية الشيعية ـ أو معظمها ـ "أقام" في إيران خلال مرحلة صراع هذه التيارات مع حكم الرئيس السابق صدّام حسين.
وكلّ هذه التيارات ـ أو معظمها ـ كان حليفاً لإيران في المرحلة نفسها وما بعد سقوط نظام صدّام وخلال السنين الأولى بعد الحرب. وإعتمدت على دعم إيران مالياً وعسكرياً وبعضها أنشأت له طهران ذراعاً عسكرية.
من التحالف مع إيران إلى تغليب الخيار الوطني
غير انّ هذه التيارات الآتية إلى "السياسة" من منطلقات دينية سرعان ما تنبّهت إلى أخطار التعاطي الإيراني مع العراق الجديد بعد حرب 2003. ثمّة أطماعٌ إيرانية في العراق. وثمّة تصفية حسابات إيرانية مع العراق البلد العربي الكبير بـ"مفعول رجعي". وثمّة تدخّل من جانب الجمهورية الإسلامية لإجهاض العملية السياسية ومساراتها. وثمّة إستهدافٌ لجعل العراق في "الفلك الإيراني". و"الممرّ" إلى كلّ ذلك هو منع وصول العملية السياسية إلى قيام دولة العراق الحرّة السيّدة.
إذاً، تنبّهت التيارات السياسية الشيعية إلى كلّ ذلك. والمقصود هنا بشكل خاص قيادات مثل رئيس الوزراء نوري المالكي ونائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي ورئيس "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" السيّد عبد العزيز الحكيم وغيرهم الكثير. وجد هؤلاء جميعاً انّ خيارهم الوطني العراقي يتناقض مع الخيارات الإيرانية. خيارهُم الوطني يقوم على بناء الدولة المدنية وعلى إستعادة السيادة بتفاهمات داخلية وعربية وأوروبية وأميركية ودولية، في حين انّ إيران تقفُ على مقلب آخر تماماً.
"الحساسية" فـ"الوطنية" و"العروبة"
عبّرت التيارات الشيعية ـ المتحدة في تيّار عام موحّد الآن ـ عن "حساسية" تجاه طهران. وتطوّرت هذه "الحساسية" إلى "كباش" مع إيران ممّا إستنهض وطنية عراقية وعروبة عراقية، ودفع الشيعة إلى تأكيد انهم وطنيون عراقيون وعرب. وحرص التيار الشيعي العراقي الموحّد وقادته، بالرغم من المشاكل التي خلقتها إيران، على عدم إستعداء طهران وعلى إقامة أفضل العلاقات معها وعلى رعاية المصالح المشتركة بين الطرفين وهي كثيرة، لكن على قاعدة انّ العراق هو العراق وإيران هي إيران.
مظلة مرجعية السيستاني
وكان لافتاً في هذه التجربة انّها حظيت بمظلّة المرجعية الدينية في العراق. فالمرجعية الشيعية في النجف وعلى رأسها آية الله السيستاني لا تنطلقُ فقط من كونها مرجعيّةً دينية لكل الشيعة العرب، ولا من حقيقة انّ إقامة مرجعيات موازية في أي مكان لا يغيّر من موقعيّتها، بل تعتبر انّ مهمتها هي رعاية الخيارات الوطنية للشيعة في أي بلد كانوا. وقد كانت للمرجعية في النجف الأشرف مواقف عبر السنوات الماضية تؤكد على هذا الاتجاه.
"الوطنية" المحميّة بتفاهمات
إنّ التجربة العراقيّة، بالنظرَ الى ما تقدّم، هي تجربةٌ ناجحة بل هي نموذجٌ، لا سيّما على الصعيد الشيعي.
خيارُ شيعة العراق وطنيّ عراقيّ، عربيّ، "دولتيّ". خيارٌ بمظلّة المرجعيّة الدينيّة ومحميّ بالتفاهمات الوطنيّة.
على أنّ أهمّ ما يعنيه نجاح هذه التجربة يتجسّد في الخلاصات الرئيسيّة الآتية:
إنّ نجاح هذه التجربة يعني انّ فكّ تيّار سياسيّ شيعيّ حليف لإيران تحالفه معها، ليسَ مستحيلاً.
ويعني انّ الإعتبار الوطنيّ ـ والقوميّ ـ هو أقوى الإعتبارات على الإطلاق.
ويعني أيضاً أنّ ثمّة إمكانيّة لإدارة علاقة طبيعيّة مع إيران تحت سقف رفض مواقفها الإلزاميّة وأهدافها الخاصة.
ويعني ـ بمفعول رجعيّ ـ انّ التيّارات السياسيّة الشيعيّة في العراق لم تكن في الأصل إيرانيّة بمكوّن عراقيّ، بل عراقيّة تتحالف مع إيران ولا تتبع لها.
نموذج يستدعي إحتضاناً عربياً
ويعني انّ ثمّة نموذجاً قيد الترسّخ يعيد الإعتبار لحقيقة انّ الشيعة في المنطقة العربيّة ليسوا إيرانيين وليسوا إمتداداً لإيران أو من "عدّة شغلها". نموذجٌ يعيد الإعتبار أيضاً لحقيقة أنّ المرجعيّة الدينيّة الشيعيّة تشجّع "رعاياها" لصالح أوطانهم ودولهم الوطنيّة.
نموذجٌ يعيد الإعتبار لحقيقة انّ الشيعة في كلّ بلد هم "أهل الدولة".
وبهذه المعاني جميعاً، لا تردّد في القول انّ نجاح هذه التجربة ـ النموذج يشكّل صمّام أمان شيعياً وعراقياً.. وعربيّاً.
وهذه التجربة ـ النموذج تحتاج إلى احتضان عربيّ.. بل من مصلحة العرب وواجبهم أن يحتضنوها.
لا يعني ما يحصل في العراق انّ ثمّة "مركزاً" سياسياً شيعياً موازياً لإيران قيد النشوء. هذا ليس ما ينشدُه العراقيون على الإطلاق، ولا الشيعة العراقيّون.
لكن صار للشيعة في لبنان نموذجٌ وقدوة. وعادَ الإعتبارُ لمرجعيّة النجف عبر تجربة ناجحة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00