لم يكن ثمة شك في أن 14 آذار وافقت على الذهاب الى الدوحة من أجل حقن الدماء وبهدف التوصّل الى تسوية سياسية "حقيقية".
وفي المقابل، لم يكن من شك في أن "حزب الله" وملحقاته ذهبوا الى العاصمة القطرية من منطلق أن تحرك اللجنة الوزارية العربية يوفّر له ـ أي "حزب الله" ـ فرصةً للخروج من ورطة سياسية كبيرة نتيجة استحالة المضيّ في اجتياح عسكري لكل المناطق اللبنانية من ناحية وبأمل التوصّل الى هدنة مرحلية كحد أدنى أو الى فرض شروط سياسية تترجم اختبار القوة الذي جرى في 8 أيار واستمر أياماً كحد أقصى.. من ناحية أخرى.
التحرك القطَري ـ العربي: الفرصة الأخيرة
على ما يبدو، فإن "حزب الله" لم يستوعب حقيقة أن اللجنة الوزارية العربية برئاسة قطر إنما كانت تُعطيه ـ وإيران ـ فرصةً للخروج من الورطة لكن على أساس أن يوافق على تسوية جدية لا تسمح له لا بالتوظيف السياسي لاختبار القوة ولا بتجديده في ظرف آخر.
فقد صار واضحاً، من خلال متابعة المواقف والاقتراحات التي تقدّمت بها اللجنة العربية ـ وقطر خصوصاً أن ثمة موقفاً عربياً ـ دولياً تعمل اللجنة وقطر من ضمنه، وهو موقفٌ يدعم فرصةً أخيرة للتوصّل الى تسوية فعلية تتضمّن "معالجة" لسلاح "حزب الله".
الاقتراح باعتبار السلاح سلاحَين
وفي هذا الإطار، كان اقتراحٌ قطَري ـ عربي جرى التداول فيه يقضي باعتبار سلاح "حزب الله" سلاحَين. الأول "أمني" والثاني "استراتيجي".
ويُقصد بالسلاح "الأمني"، ذلك الذي كُدّس في بيروت ومناطق أخرى خلال الانقلاب ـ الحرب على الداخل، والميليشيات الملحقة بحزب الله التي لا تزال منتشرة في الأحياء، والانتشار المخابراتي.. وصولاً إلى ما سمّاه الحزب "سلاح الإشارة" أي شبكات الاتصال السلكي التي لا يزال موضوعها في عهدة الجيش ليقرّر ما إذا كانت ضرورية لـ"أمن المقاومة".
ويقصد بالسلاح "الاستراتيجي" ذلك الذي يعود الى "المقاومة" في وجه إسرائيل.
والاقتراح الذي كان موضع تداول يتضمّن إنهاءً للسلاح الأول "الأمني" من غير أن يحدّد صيغة الإنهاء وجهة السيطرة الأمنية، هل الجيش وحده أو الجيش بمساعدة عربية. ويتضمن أيضاً إحالة السلاح الثاني "الاستراتيجي" الى حوار حول الاستراتيجية الدفاعية للدولة.
وغنيّ عن القول أن هذا الاقتراح لو تمّ الأخذ به، يشكّل مخرجاً لائقاً ومشرّفاً لـ"حزب الله" وسلاحه، ويؤمّن استقراراً للبنان وأماناً للعملية السياسية.
"حزب الله" يرفض لهذه الاسباب
بيدَ أن "حزب الله" رفض هذا المقترح تحت عنوان أن "سلاح المقاومة مقدّس وخارج البحث". وبكلام آخر، أكد "حزب الله" برفضه "وحدة" السلاحَين، معتبراً أن انتهاء السلاح "الأمني" يعني إنهاء سلاحه "كله". والحال أن "حزب الله" يقول ـ من غير أن يقول ـ إن سلاحه "الاستراتيجي" يفقد مبرّره إن جرى إنهاء السلاح "الأمني". والحال أيضاً أن "حزب الله" يعلن بطريقة غير مباشرة أن لا مبرّر لـ"مقاومة" ضد إسرائيل ما لم يكن في وسعه السيطرة بالسلاح على كل لبنان.. أو أنه يعتبر أن إنهاء السلاح "الأمني" سيفرض بحثاً في جدوى استمرار السلاح "الاستراتيجي" بعدَه، لا سيما أن "المقاومة" منتهية موضوعياً منذ العام 2006,. على الأقل.
لا شك في أن إنهاء ما يسمّى السلاح "الأمني" غير قابل للمساومة ليس فقط من جانب 14 آذار بل من جانب اللبنانيين الذين أخضعوا في مناطقهم وبيوتهم لنيران هذا السلاح. لكن لا شك أيضاً في أن إحالة السلاح المسمى "استراتيجياً" الى حوار حول الاستراتيجية الدفاعية للدولة، تشكّل عودة الى ما كان مطروحاً على طاولة الحوار الوطني في العام 2006، وهدف 14 آذار ليس خافياً وهو إنهاء أي "دفاع" مستقلّ عن الدولة وإحالته الى الدولة أي استيعاب القدرات الدفاعية لحزب الله ضمن الدولة وجيشها.
بهذا المعنى، فإن رفض "حزب الله" للمخرج اللائق والمشرّف الذي يوفّره الاقتراح الذي كان متداولاً يعني أنه لا يريد التوصّل الى تسوية جدية. فهو لم يرفض الاقتراح فقط بل رفض حتى التأكيد على عدم استخدام السلاح لأغراض سياسية.
التغطية على السلاح بالبنود الأخرى
وعلى هذا الأساس، يُصبح منطقياً استنتاج بعض النقاط الرئيسية.
يرى "حزب الله" أن خروجه من الورطة الذي قاده استخدام السلاح إليها، يكون باعتبار ما حدث قد حدث ونقطة على السطر، أي لا محاسبة له على انقلابه ولا تطويق مسبقاً لاحتمال انقلاب آخر.
كذلك، وهروباً من الالتزام بإنهاء السلاح في الداخل، يعقّد "حزب الله" البحث في البنود الأخرى. والهدف من ذلك ليس خافياً، لأنه بإصراره ـ وملحقاته ـ على "الثلث المعطّل" في الحكومة وعلى بتّ قانون الانتخاب على قياس مصالحه ومصالح الملحقات، يريد تصوير الأزمة على أنها داخلية بحتة من جهة ويريد تشتيت الأنظار عن مشكلة سلاحه من جهة ثانية ويريد السلطة تحت مسمى "الثلث المعطل" وحسم توازن القوى السياسي في الانتخابات المقبلة ـ إذا حصلت ـ سلفاً من جهة ثالثة.
إيران وسوريا
على أن ما ينبغي الانتباه اليه جيداً هو أن تعطيل "حزب الله" وملحقاته لفرصة تسوية حقيقية متكاملة، يحصل بقرار إقليمي إيراني ـ سوري.
فالقرار الايراني ـ السوري بانقلاب 8 ايار كان واضحاً ومعروفاً. وهذا القرار اليوم هو اعتبار ما حصل رسالة وتحيّن فرصة جديدة إن لم تكن الرسالة الواحدة كافية، وإن لم تقبل 14 آذار وإن لم يقبل المجتمعان العربي والدولي بأمر واقع مفروض.
من هنا، فإن الصورة بعد مؤتمر الدوحة ستكون مختلفة: اللبنانيون بأكثريتهم الساحقة ـ أي في ما يتجاوز 14 آذار وجمهورها ـ يرفضون أن يكونوا بلا حماية أو أن يكونوا هدفاً للسلاح الفاقد للشرعية، والمجتمع العربي برمته هذه المرة في مواجهة التخريب الايراني ـ السوري وفي مواجهة اللعب الايراني بالنار في المنطقة ككل، وقد كان المجتمع العربي خلال الأسبوع المنصرم موحداً حول محاولة تقديم فرصة أخيرة وجدية لـ"حزب الله" وايران والنظام السوري.. والمجتمع الدولي الذي دعم التحرك القطري ـ العربي كان واضحاً في أنه هو أيضاً يعطي فرصة أخيرة.
وإذا كان صحيحاً أن "حزب الله" وُرِّط ايرانياً ـ وسورياً ـ في 8 أيار، وأن إعادة توريطه محتملة بعد هدنة هشة، فإن الصحيح أكثر هو أن تجديد اللعب بالنار في لبنان سيتعدى "النطاق" اللبناني الى إطار إقليمي أوسع.
ساعات تفصل عن انتهاء مؤتمر الدوحة، ولا شك انها ساعات "ثقيلة". بيد أن المؤكد هو أن من سيدفع الحوار الى الفشل سيتحمل مسؤولية كبرى امام اللبنانيين وأمام العرب.. فليزِن من يعطل قدرته على تحدي اللبنانيين والعرب معاً..








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.