في مهرجان الذكرى الثالثة والأربعين لتأسيس "حركة التحرير الوطني الفلسطيني ـ فتح" في قصر الأونيسكو أمس، أطلق سفير فلسطين وممثل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان عباس زكي مبادرة باتجاه اللبنانيين سمّاها "إعلان فلسطين في لبنان" (ص6).
هذا "الإعلان" هو بحقّ وثيقة فلسطينية تاريخية. وصفة "التاريخية" تنطبق على القراءة النقدية بل "النقد الذاتي" للتجربة الفلسطينية السابقة في لبنان، كما تنطبق على الرؤية المستقبلية للعلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية استناداً إلى دروس التجربة التي كانت في حقيقة الأمر "تجربتين"، فلسطينية من جهة ولبنانية من جهة أخرى.
إذاً في أول مراجعة من نوعها على الصعيد الفلسطيني "الرسمي" يخلص "الإعلان" إلى أنّ "الوجود الفلسطيني بحجمه البشري والسياسي والعسكري قد أثقل كثيراً على لبنان الشقيق ورتّب عليه أعباء فوق طاقته وإحتماله وفوق نصيبه المعلوم من واجب المساهمة في نصرة القضية الفلسطينية (المساندة)، الأمر الذي أصاب دولته واقتصاده واجتماعه الإنساني وصيغة عيشه إصابات بالغة". إنّه اعتراف فلسطيني بـ"الإثقال على لبنان" لا بل اعترافٌ بـ"تورّط فلسطيني" في لبنان كما يقول "الإعلان" في فقرة تالية منه. إنّه أعلى درجات "النقد الذاتي" حيث ينتقل "الإعلان" إلى "المبادرة إلى الاعتذار عن أي ضرر ألحقناه بلبنان العزيز بوعي أو من غير وعي"، قبل أنّ يؤكد أنّ هذا الاعتذار "غير مشروط باعتذار مقابل".
وإذ يعتبر "الإعلان" أنّ لبنان وفلسطين "كانا ضحيتين" للتجربة بين عامي 1975 و1982، في ما يؤكد الاستعداد لإجراء مراجعة "مشتركة" لتجربة "مشتركة"، وفي ما يشكّل تشديداً على وجوب قراءة الظروف الذاتية من ناحية و"الموضوعية" أي ما يسمّيها الإعلان "الظروف القسرية" من ناحية ثانية، وإذ يدعو تأسيساً على ذلك إلى "تجاوز الماضي بأخطائه وخطاياه والانفتاح الصادق على المصالحة"، فإنّ "الإعلان" لا يتردّد في الإشارة اللافتة إلى أمرين رئيسيين.
الأول، الإشارة إلى "فرصة تاريخية" كانت متاحةً في التسعينات من القرن الماضي لحصول "تحوّل" في العلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية. والأمر الثاني هو انّ هذه الفرصة "حالت دونها ظروفٌ وتطورات" كما يقول "الإعلان". أمّا "الفرصة" كما يراها فهي اتفاق الطائف لبنانياً وقبله فلسطينياً تبنّي المجلس الوطني الفلسطيني "خيار الدولتين" وإعلان دولة فلسطين على الضفة وغزة بالقدس عاصمةً في العام 1988,. وهي (أي الفرصة) أنّ "الجانب الفلسطيني ما عاد يفكّر لا اختياراً ولا اضطراراً في أي مشروع سياسي أو أمني في لبنان أو انطلاقاً منه" منذ ذلك التاريخ، لا بل قبله منذ خروج قوات منظمة التحرير من لبنان في العام 1982 بعد الاجتياح الإسرائيلي في ذلك العام لولا أنّ لبنان بقي بلا دولة في سنوات الثمانينات. أمّا "الظروف والتطورات" التي حالت دون هذه "الفرصة" فلا يحدّدها "الإعلان" لأنّ تحديدها شأنٌ لبناني بامتياز: الوصاية السورية على لبنان وعلى تطبيق اتفاق الطائف وقيامها بمنع المصالحة اللبنانية ـ الفلسطينية لأنّ هكذا مصالحة تؤسس لعلاقة سليمة بين دولتين شقيقتين وشعبين شقيقين كانت تمثّل نقضاً لـ"النموذج" السوري في العلاقة بلبنان بما هي علاقة استتباع للبنان لا بل علاقة "إجتياح" لكل مقوماته.. إضافةً إلى أنّ خطة الوصاية السورية قضت بتحويل الملف الفلسطيني في لبنان إلى "ملف أمني" تستخدمه لتبرير بقائها في البلد.
إذاً يفتح "إعلان فلسطين في لبنان" المجال واسعاً لحوار لبناني ـ فلسطيني عميق.
بيد أنّ صدق "الإعلان" يتجلّى في ما يطرحه للمرحلة المقبلة على أساس أن "لا مشروع سياسياً أو أمنياً في لبنان وانطلاقاً منه" بعد أكثر من عشرين عاماً على الانتقال التاريخي الكبير إلى الداخل.
يعلن "الإعلان" الإلتزام "الكامل وبلا تحفّظ" بـ"سيادة لبنان واستقلاله في ظل الشرعية اللبنانية ومن دون أي تدخل في شؤونه الداخلية". وإذ يتمسّك بـ"حقّ العودة ورفض التوطين والتهجير"، يشدّد على أنّ "السلاح الفلسطيني ينبغي أن يخضع لسيادة الدولة اللبنانية وقوانينها وفقاً لمقتضيات الأمن الوطني اللبناني الذي تعرّفه وترعاه السلطات الشرعية اللبنانية". ويقرن "الإعلان" هذا الموقف بـ"الاستعداد الكامل والفوري للتفاهم مع الحكومة اللبنانية على قاعدة أن أمن الإنسان الفلسطيني في لبنان هو جزء من أمن المواطن اللبناني".
إنّ هذا الموقف في "الإعلان" هو في واقع الأمر أكثر من مجرّد موقف سياسي داعم لاستقلال لبنان ومؤسساته الشرعية. إنّه هدية من دولة فلسطين إلى الدولة اللبنانية، ومن شعب فلسطين إلى شعب لبنان. إنّه "يعطي" الدولة في لبنان "فرصة" إستلام السلاح الفلسطيني على أساس علاقة سليمة بين وطنيّتَين. ولكم كان "الإعلان" صادقاً ومسؤولاً إذ تمسّك بـ"الحقوق الأساسية للاجئين المقيمين قسراً وموقتاً في لبنان"، في موازاة تأكيده أنّ هذه الحقوق "غير مشروطة بقضية السلاح ولا نفكّر في أي معالجة بأسلوب المبادلة". إنّه يستبق العهد اللبناني الجديد رئاسةَ جمهورية، وحكومةً جديدة بإعلان أنّ "العامل الفلسطيني" عامل تسهيل وليس عامل تعقيد.
على أنّ ما يستوقفُ في "الإعلان" تشديده في بنده السابع والأخير على أنّ "الحلّ الجذري والآمن لمشكلتنا في لبنان مرتبط بانتصار قضيتنا في فلسطين وفقاً لما قرّره شعبنا من خلال ممثّله الشرعي والوحيد منظمة التحرير"، وقوله إنّه "ما عاد يساورنا أي شك في أن إستقرار لبنان يشكّل دعماً أساسياً لقضيتنا كما أنّ خلاص شعبنا يزيح عن كاهل أشقائنا اللبنانيين عبئاً ثقيلاً". ويخلص إلى استنتاج أنّه "لذلك نحن حقاً شركاء في مشروع السلام العربي الذي سيؤدي، بإذن الله وتضامننا، إلى الحلّ المنشود الدائم والعادل".
إنّ البند الأخير من "الإعلان" يكاد يلخّص العلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية: إستقلال لبنان وإستقلال فلسطين توأمان، والاستقلال الفلسطيني دعامةٌ للاستقلال اللبناني والعلاقة هي بين دولتين مستقلتين وشرعيتين ديموقراطيتين. ومواجهة "التوطين" جزء أساس من معركة الاستقلال الفلسطيني، لا بل معركة "الاستقلالين" اللبناني والفلسطيني. وأكثر من ذلك فإنّ تأكيد "الإعلان" على "الشراكة في مشروع السلام العربي" إنما هو تشديدٌ على الانتماء المشترك إلى الاستراتيجية العربية الواحدة، وعلى أنّ مشروع فلسطين ومشروع لبنان المستقل هو "مشروع السلام العربي" وليس أي مشروع آخر.. السلام العادل والشامل.
* * *
ويبقى بضع ملاحظات.
الأولى، دعوة جميع الفصائل الفلسطينية "التي يُعتدّ بها" إلى مراجعة مماثلة "نحو" المستقبل.
الثانية، دعوة الأطراف اللبنانيين إلى مراجعات بمثل جرأة مراجعة "فتح"، ودعوتهم إلى التعامل بالمثل مع "الساحة الفلسطينية" أي عدم التدخل في شؤونها والانحياز الى جهة ما فيها خلافاً لمقتضيات الوحدة الوطنية الفلسطينية والمشروع الاستقلالي الفلسطيني.
والثالثة، تتعلّق بلفت النظر إلى "الفارق" بين تجربتَين للبنان مع الوجود الفلسطيني من ناحية ومع "الوجود" السوري من ناحية أخرى. وإذا كان يمكن الحديث عن "فارق" في التجربتين في وقتيهما "حتّى"، فإنّ المقصود هنا أنّ القيادة الفلسطينية (التي ستتبنّى "إعلان فلسطين في لبنان" رسمياً) على قدر من "النُبل" تجاه لبنان واللبنانيين تعتذر لهم عن الماضي بلا مقابل وتشكرهم على ما تحمّلوه وتدعوهم إلى صفحة بيضاء، في حين أنّ القيادة السورية لم تبرح سياستها في لبنان وتتدخل أيّما تدخل في شؤونه وترفض إعطاءه حقّ "التنفس". وهذا هو الفارق بين "صاحب قضية"، يخطئ ويصحّح، وبين من لا يرى قضية خارج سعيه إلى سجن لبنان.
والرابعة على قاعدة "الشيء بالشيء يذكر". منظمة التحرير الفلسطينية تعلنُ أنّ السلاح الفلسطيني مهدى إلى الدولة اللبنانية، بينما "منظمات سوريا" تتمسك بسلاحها "خارج" المخيمات ضدّ أمن لبنان وإستقراره بل للتخريب عليهما بحجة "رفض التوطين". أمّا "سلاح حزب الله"، وهو طرفٌ مسؤول أمام الدولة اللبنانية، فلا يزال الحزب يمانعُ في إدراجه ضمن الدولة واضعاً سلسلةً من الشروط المسبقة.
أمّا الملاحظة الخامسة والأخيرة فتتعلّق ليس فقط بالتنويه بـ"إعلان فلسطين في لبنان" بل بالتنويه بدور ممثّلية منظمة التحرير وسفارة فلسطين في لبنان وعلى رأسها عباس زكي "أبو مشعل" الذي أدّى ـ والممثلية ـ بوحي من "الإعلان" قبل إعلانه طوال عامي 2006 و2007، رافضاً أن يدخل الفلسطينيون في الصراع السياسي اللبناني، بل داعماً للدولة كما تجلّى الأمر بكلّ وضوح خلال المواجهة بين الجيش و"عصابة شاكر العبسي" في مخيّم نهر البارد.
"الإعلان" يستحقّ بناء حوار لبناني ـ فلسطيني "شرعيّ" على أساسه. فهكذا حوار يمكنُ أن يتوصّل إلى ما هو أبعد من بنوده لمصلحة شعبين عربيين شقيقين. و"الإعلان" نفسه أمثولة في الجرأة السياسية والأدبية والأخلاقية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.