إنّ "لعبة" توزيع الأدوار وتبادلها بين النظام السوري وحلفائه، لعبة مكشوفة "تاريخياً". هو وافق في القاهرة على المبادرة العربية لحل الأزمة اللبنانية لكن وليد المعلّم سارع إلى القول إن أحداً لا يستطيع أن يفرضُ شيئاً على "اللبنانيين" وإنّ "سوريا مع ما يتوافق عليه اللبنانيون". وهم إستقبلوا المبادرة في بيروت بالتحفظ أو بوعد بالدراسة أو بإثارة نقاط من خارجها وإن بظاهر ترحيبي.
"المعارضة" تعلن نفسها مستقلّة عن دمشق!
قبل اجتماع القاهرة وأثناءه وبعده صعّدت "المعارضة" خطابها ونبرتها. وفي هذا التصعيد كان واضحاً انّ النظام السوري و"المعارضة" يريدان توجيه رسالة إلى الاجتماع العربي تقول إنّ "المعارضة" ليست تابعة لدمشق وإنّ النظام في سوريا لا يضغط على "المعارضة" التي توافق على ما تريد وترفض ما تريد. رسالة إستباقية بأن ما يمكن أن يوافق نظام الأسد عليه إضطراراً لن توافق هي بالضرورة عليه. صدّق أو لا تصدّق: "المعارضة" مستقلة "تماماً" عن النظام السوري!.
النصيحة القطرية بـ"الضبضبة"
بالفعل، لم يكن في وسع ممثّل النظام في اجتماع القاهرة الاعتراض. فمنذ أن تمّت الدعوة إلى هذا الاجتماع بطلب سعودي ـ مصري، لم يكن خافياً انّ المملكة العربية السعودية ومصر خصوصاً والنظام العربي عموماً في صدد "التشدّد" حيال نظام الأسد وتعطيله في لبنان، لا سيما بعد أن دفع المبادرة الفرنسية إلى الفشل. وفي إطار العلاقة الوثيقة بين النظام العربي والمجتمع الدولي، أي بين "التعريب" و"التدويل"، تبلّغ رئيس النظام بشار الأسد موقفاً دولياً، أميركياً ـ فرنسياً جازماً، نصحته قطر على أساسه بـ"الضبضبة". وافق إذاً على المبادرة العربية على ايقاع تشدّد عربي ـ دولي ممتنعاً عن المواجهة المباشرة مع هذه المبادرة تحت يافطة الترحيب.
المبادرة تنهي "الثلث الضامن"
أمّا في بيروت فكانت صورةٌ أخرى.
المبادرة العربية واضحة. إنتخاب العماد ميشال سليمان "فوراً" وفقاً للأصول الدستورية أي فكّ إرتباط إنتخاب رئيس الجمهورية بأي شروط مسبقة. والاتفاق الفوري (أي منذ الآن) على تشكيل حكومة وحدة وطنية (بعد إنتخاب الرئيس) "تجري المشاورات لتأليفها طبقاً للأصول الدستورية"، على "ألا يتيح التشكيل ترجيح قرار أو إسقاطه بواسطة أيّ طرف ويكون لرئيس الجمهورية كفّة الترجيح".
رحّب الرئيس نبيه بري. وأعلن "حزب الله" على لسان أكثر من مسؤول فيه انّه سيدرس المبادرة "بمعزل عن موقف سوريا منها". أمّا الجنرال ميشال عون وتيّاره فتناولا نقاطاً في المبادرة.
فسّر "التيار" الجملة في المبادرة التي تقول إن تشكيل الحكومة المقبلة ينبغي ألا يتيح "ترجيح قرار أو إسقاطه بواسطة أي طرف ويكون لرئيس الجمهورية كفّة الترجيح" بطريقة "خاصّة". فالمبادرة التي تُنهي مقولة "الثلث الضامن" تقضي بالا يكون للأكثرية (وهي أكثرية) ثلثا القرار لوحدها، وبألا يكون لـ"المعارضة" ثلث التعطيل، وبألا يتوفر الثلثان أو الثلث إلا كما يميّل رئيس الجمهورية الدفّة. فصارت المبادرة تعني عونياً أن تتشكّل الحكومة من ثلاثة أثلاث متساوية وإلا فعلى قاعدة "14+11+5" كما قال عون أمس. فأين النصّ على ذلك في المبادرة؟.
على انّ ذلك ليس الأهم. فقد اعتبر عون، من خارج نصّ المبادرة التي تشدّد على "المشاورات طبقاً للأصول الدستورية" انّ رئيس الحكومة المقبلة يجب أن يكون توافقياً أي من خارج 14 آذار.
النظام السوري يريد إلغاء أي مظهر "للأكثرية"
"خلال" المبادرة الفرنسية، وفي مجرى اتصالات عربية معه دعماً لتلك المبادرة، أكد النظام السوري بوضوح للمتصلين به انه لن يرضى مطلقاً بترؤس رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري للحكومة المقبلة. وحلفاؤه في لبنان أعلنوا ذلك جهاراً.
بالنسبة إلى رئاسة الجمهورية، كان في وسع النظام السوري و"المعارضة" الابتزاز ـ باسم التوافق ـ بالنصاب الدستوري لإنتخاب الرئيس، وإن كان هذا الموقف ابتزازاً لا غير أي من خارج الدستور. لكنهم في ما يتعلق برئاسة الحكومة والحكومة أمام نصّ دستوري "قاطع": يكلّفُ رئيس الحكومة بعد إستشارات نيابية ملزمة يجريها رئيس الجمهورية، أي يتم تكليف من نال أكثرية الأصوات في الاستشارات الملزمة، ثم بعد إستشارات يقوم بها الرئيس المكلّف يُصدر ورئيس الجمهورية مراسيم التأليف. وإذا كان يحقّ للأكثرية في المبدأ وفي ظروف سياسية مختلفة أن تشكّل حكومتها وتمثل أمام المجلس النيابي لنيل الثقة، فمن حقّها بداهة أن تكون لها الأكثرية في الحكومة لا أن تكون متساوية مع "المعارضة". وعندما تقول المبادرة العربية بـ"كفّة الترجيح" لرئيس الجمهورية فانّها لا تقول بـ"إعدام" الأكثرية لأكثريتها لأنّ "كفّة الترجيح" تترجمُ بصيغة عددية تؤمنها.
"حتى الآن" إنّ ما يريدهُ النظام السوري و"الحلفاء" هو بالضبط إلغاء أيّ "مظهر" من مظاهر وجود أكثرية فعلية في البلد بل إلغاء الأكثرية. وبما أن التعبير الأهم إن لم يكن الوحيد اليوم عن وجود هذه الأكثرية، بعد أن قبلت تجيير أكثريّتها للعماد ميشال سليمان في رئاسة الجمهورية، هو رئيس الحكومة، أي رئيسٌ للحكومة من 14 آذار وسعد الحريري بالتحديد، فإنّ الاعتراض هو على تولي سعد الحريري رئاسة الحكومة.
"سعد رفيق الحريري"
وإذا كان الاعتراض في هذا المجال جزءاً من "سياسة" مناهضة الحياة الدستورية للبنان المستقلّ، فهو فضلاً عن ذلك ذو أبعاد رمزية. فبالنسبة الى 14 آذار، إن تسمية سعد الحريري عندما تقرّر ذلك نهائياً، رئيساً للحكومة ترتدي بعداً سياسياً وطنياً ورمزياً، أي أن 14 آذار تمثّل الأكثرية ولها الحقّ في رئاسة الحكومة التي تُحسم دستورياً بالأكثرية النسبيّة، ووجود الحريري على رأس الحكومة هو عنوانُ استمرار حركة الاستقلال اللبناني بل هو عنوان إنتقال هذه الحركة الى مرحلة سياسية جديدة. أما بالنسبة الى النظام السوري ـ وحلفائه كلهم أو معظمهم ـ فإن وجود سعد الحريري على رأس الحكومة "مفارقة" إنطلاقاً من السؤال الآتي: هل من "شطب" الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005 يريد أن يرى نجله سعد رفيق الحريري رئيساً للحكومة في شباط 2008؟
على أي حال، لا يمكن فصل حملة حلفاء نظام بشار الأسد على رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة، والتي تستهدفه في وطنيّته ـ التي لا تحتاج الى شهادة ـ عن استهداف الحريري و"تيار المستقبل" و14 آذار. وهي حملةٌ تصوّب على رئاسة الحكومة المقبلة في معرض استهدافها رئاسة الحكومة الحالية.
مجالُ المناورة والتعطيل "أضيق"
ومع ذلك، فإن المبادرة العربية الجديدة هي خارطة طريق لا التباس في أي من بنودها. وتأسيساً عليها يفترض أن يتم انتخاب العماد سليمان رئيساً للجمهورية السبت المقبل في موعد الجلسة المحدّدة أصلاً لذلك.
ولعلّ أهم، ما في هذه المبادرة أنها تضيّق مجال المناورة والتعطيل. ذلك أن بنداً فيها (البند الخامس منها) ينصّ على "عرض نتائج الجهود والاتصالات (من أجل المبادرة) في اجتماع لمجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية في 27 كانون الثاني الجاري". وهذا يعني أن المبادرة العربية حدّدت موعداً أخيراً لإنهاء الأزمة في لبنان، وأن للجامعة بعدَ هذا التاريخ تقويماً وموقفاً.
وإذا كان ممّا لا شك فيه أن المبادرة تحملُ المخارج الجدية من الأزمة وتراعي بالفعل قاعدة "لا غالب ولا مغلوب"، وتؤسّس لمرحلة جديدة في لبنان المستقل، فإن "العبرة" في تعاطي "المعارضة" إيجاباً معها. فلا يقنعنّ أحدٌ أحداً بأن "المعارضة" صارت بين ليلة وضحاها مستقلّة عن النظام السوري "الى هذا الحدّ". وعلى كلّ حال سوف "يُحسب" أي تعطيل على النظام السوريّ، عربياً.
تقدّم المبادرة العربية أفقاً للاستقرار، لرئاسة جمهورية فعلية مدعومة لبنانياً وعربياً ودولياً، ولمؤسسات دستورية تقود الجمهورية، بل للجمهورية نفسها. وعندما يأتي الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الى بيروت غداً، ستكون الصورة في ذروة وضوحها وقد قال إنه ليس آتياً لـ"مفاوضات" بل لفتح طريق تنفيذ المبادرة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.