8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الثلث المعطّل عنوانُ مرحلة الانقضاض على السلطة

بذل الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله جهداً كبيراً وإستثنائياً في مقابلته التلفزيونية أول من أمس لمحاولة إقناع اللبنانيين بأن ما يطالب به وحلفاؤه هو "الشراكة" في السلطة. بيد أنّ ما قاله في الفقرات الأخيرة من المقابلة يلخّص حقيقة ما يريده، أي الهدف الذي حدّده منذ بداية تحرّك "المعارضة" قبل أكثر من عام.
من "النجاح الدفاعي" إلى ..السلطة
قال نصرالله، وهو يشدّد على انّه يتوجّه في هذا القسم من الحديث إلى جمهور "المعارضة"، إنّ هذه "المعارضة نجحت دفاعياً في مرحلة السنوات الثلاث الماضية"، معلناً الإنتقال من "النجاح الدفاعي" إلى "تحقيق الإنجاز". و"النجاح الدفاعي" كما حدّده السيد نصرالله يتمثّل في "منع المشروع الأميركي بنسخته اللبنانية من الإقلاع". ولمّا كان اعتبر انّ ثمّة مشروعاً أميركياً في لبنان وأنّ "مفتاحه" هو إقامة سلطة تابعة للولايات المتحدة، فمن الواضح انّ ما يقصُده نصرالله هنا هو انّه و"المعارضة" نجحا في تعطيل السلطة اللبنانية التابعة لأميركا من وجهة نظره.
أمّا "الإنجاز" الذي يضعه نصب عينَيه قيد التنفيذ فهو "إعادة تكوين سلطة وطنية حقيقية" كما يقول.
إذاً، يكشفُ نصرالله انّ ثمّة مرحلتين، واحدة سمّاها بنفسه "دفاعية"، وثانية أعطاها صفة "الإنجاز" لكن يمكن تسميتها "هجومية". "الدفاعية" لتقويض السلطة القائمة. و"الهجومية" للزحف على السلطة والإنقضاض عليها. وما يعيشُه لبنان في هذه الأيام هو بالضبط المرحلة الثانية "الهجومية" من خطة الإنقلاب على السلطة والإستيلاء عليها.
السلطة "الوطنية" في أيديولوجيا "حزب الله"
وإذا كان يجوز لضرورات الإختصار، عدم التركيز على "المفردات العسكرية القتالية" في الخطاب السياسي للسيّد والتي تحوّل الصراع السياسي إلى "عمليات عسكرية"، فإنّ ما لا يمكن تجاهلُه هو إستخدام نصرالله المتكرّر لمصطلح "السلطة الوطنية" تارةً، و"الحكومة الوطنية" تارةً أخرى. غالباً ما يلوذ بعض السياسيين إلى مصطلح "إعادة إنتاج السلطة" من غير أيّ توصيف لهذه السلطة لأنّ الحديث هو عن سلطة "لبنانية". لكنّ الحديث عن سلطة "وطنية" يحدّد ـ في الخطاب الايديولوجي الثقافي لـ"حزب الله" ـ طبيعة السلطة أي أن تكون ضدّ أميركا والغرب أو ضدّ النظام العربي مثلاً. وعادةُ الايديولوجيين أن يقولوا عن شخص ما إنّه "وطنيّ" أو جهة ما إنّها "وطنية" حتّى يكون أو تكون وطنياً أو وطنية وإلا فهو أو هي خائن أو خائنة.
إنّ الهدف الذي يعلنه نصرالله وهو إقامة سلطة "وطنية" و"حقيقية"، يستبعد سلفاً ـ وبطبيعة الحال ـ شريحة سياسية أساسية هي 14 آذار لأنّها برأيه إمتداد للمشروع الأميركي الذي يريد السيد هزيمته. وعلى أيّ حال لقد "مرّر" نصرالله خلال المقابلة إشارةً لافتة. فحين كان يتحدّث عن تمثيل "المعارضة" في "حكومة الوحدة الوطنية" قال إنّ ممثلي "المعارضة" في هذه الحكومة سيكونون من "سنّة المعارضة ودروزها فضلاً عن شيعتها ومسيحييها". ومعنى ذلك واضح وهو أنّ ثمّة "جبهة" حزبيّة تستعدّ للإستيلاء على السلطة.
حزبٌ بمثابة "جالية أجنبية"
إلام تريدُ هذه المقدّمات جميعاً أن تصل؟.
في "الثقافة السياسية" أي في "ثقافة الكيان" أولاً، من الواضح تماماً أنّ "حزب الله" بعيدٌ عن فهم التشكّل الطائفي وعن حراك الطوائف وعن معنى التعدّد في لبنان. وليس مفاجئاً أن يتعاطى مع هذا الوضع بوصفه كحزب "جاليةً أجنبية". وكذلك في "الثقافة السياسية"، من الواضح جداً انّ الحزب "غريب" عن الثقافة الديموقراطية، بما انّه يتحدّث عن إنتاج السلطة وتكوينها من خارج أيّ سياق طبيعي، بل يقارب الموضوع من باب إنقلابي مفتوح على الصدامات الأهلية.
"ثلث التحكّم"
على أنّ الأهم ممّا لا بدّ من تسليط الضوء عليه هو انّ ما يسمّيه نصرالله "الثلث الضامن"، بما أنّه مطروحٌ في السياق الموصوف آنفاً، إنما هو عنوان "تحكّم" وليس عنوان "شراكة"، هو عنوان إسقاط اتفاق الطائف بل إسقاط الشراكة الوطنية ومواقع الطوائف في هذه الشراكة. يجب أن تكون الأمور واضحةً تماماً: لا يمكن عزلُ المطلب عن سياقه، وبما أنّ السياق هو إستهداف السلطة لإقامة سلطة "وطنية" يصبحُ المطلب الذي قد يبدو ظاهرياً "صغيراً" ـ حتّى وهو غير دستوري ـ عنواناً لـ"التحكّم" لأنّ قواعد المشاركة مسألة أخرى.
لماذا الثلث بدلاً من الإتفاق السياسي؟
ذلك كلّه في المبدأ وكنقطة إنطلاق. غير انّ ما يفضح كون "الثلث الضامن" ـ أي "المعطّل" ـ للتحكّم وليس للشراكة، ما قاله الأمين العام لـ"حزب الله" عن أسباب المطالبة بهذا الثلث. هو عدّد أسباباً كثيرة، وفي هذه الأسباب بعض عناوين الخلاف السياسي. لكنّ المسألة ليست هنا، بل تكمن في الجواب عن السؤال الآتي: إذا كان ما يقولُه نصرالله حقيقياً، فلماذا لا تبتّ قضايا الخلاف السياسي قبل تشكيل الحكومة؟. ثمّ إذا بتّت لماذا "الثلث المعطّل"؟. وإذا بتّت هل ستكون هناك مشكلة في تشكيل الحكومة أصلاً؟.
لو كان ثمّة حسن نيّة، كان منطقياً أن يطالب السيّد حسن بربط تشكيل الحكومة باتفاق سياسي مسبق، لكن ليس منطقيّاً ترحيل قضايا الخلاف الى داخل الحكومة للمطالبة بـ"ثلث ضامن"(!)، لأنّ الحكومة لا تتشكل من أعداء "عادة" بل تقوم على أساس وطنيّ متفق عليه. وأصلاً لو كان ثمّة حسن نيّة لما رُبط إنتخاب العماد ميشال سليمان بما سمّاه نصرالله "السلّة". ثمّ حيث تصحّ "السلّة" لا يقول نصرالله بها. "السلّة" مع الحكومة "مفهومة" لكن ما علاقة رئاسة الجمهورية بها؟
"دولة حزب الله" و"القيمة المضافة"
وكي تكون الأمور أكثر وضوحاً، لا بدّ من تظهير الصورة الآتية: يحتفظُ "حزب الله" بـ"دولة" خاصة به ولا ينفعُ تقليلُ نصرالله إعلامياً من هذا الأمر. يملك الحزب جيشاً ويملك اقتصاداً ويملك أموالاً ويملك بنية تحتية متكاملة.. ويسيطر على مناطق بكاملها. ويربطُ كل ذلك بقيام "الدولة القادرة" ويقول أذهب بدولتي إلى الدولة كي تصبح "قادرة". إذاً يستبقي "دولته" ويريد "الثلث الضامن" (!) في الدولة "المركزية". وعندئذٍ يصبحُ "الثلث الضامن" بمثابة "قيمة مضافة" إلى "دولة حزب الله".
في أبسط الحالات إنّ "الثلث المعطّل" إضافة "أبديّة" إلى الدولة الخاصة. لكنه في الواقع ثلث التحكّم أي عنوان الزحف على السلطة.
لا مشكلة شراكة
حيال كلّ ما طرحه السيد نصرالله يمكن تسجيل عدد من الخلاصات الرئيسية:
مهما كانت قوّة "حزب الله" فإنّ مشروعه في لبنان مستحيل إن لم يكن إنتحارياً. هو إنتحاريّ للشيعة أولاً وللبنان بعد ذلك.
ومهما حاول "حزب الله" تبرير أدائه في الداخل اللبناني بكونه مقاومةً، فإنّ المقاومة إنتهت وهي في ظلّ القرار 1701 غير قائمة بالفعل.
و"المشكلة" مع "حزب الله" هي في كلّ ما حملته المقدّمات الآنفة التي تفيد أنّه يرى نفسه إمتداداً إقليمياً ويريد للبنان أن يكون ساحةً إقليمية.
ماذا يعني الكلام عن عدم التحكّم بالشارع؟
ليس ثمّة مشكلة شراكة. لا بل إنّ "حزب الله" يغامرُ ـ حتّى في معرض تبرير خطّته السياسية ـ في إختلاق مشكلة شراكة أو "مشكلة شيعية". وأكثر من ذلك إنّ "حزب الله" في حركته السياسية يحرّك مشكلة شيعية مع الطوائف الأخرى ويضع الشيعة ضدّ مصلحتهم في "إشتباك" مع سائر الطوائف. وهل يمكن المرور "مرور الكرام" بإعلان السيّد في نهاية مقابلته انّ القدرة على التحكّم بالشارع في حال المواجهة ليست مطلقة؟. وعندما سُئل: لكنّك التزمت بأن لا تكون فتنة سنّية ـ شيعيّة؟ أجاب "ولكن لسنا وحدنا على الأرض" (!). هل يمكن المرور بهذا الكلام الذي يُعلن انّ ما كان يعتبرُه السنة الماضية نقطة قوّة لم يعُد كذلك؟ وهل يمكنُ المرور به بعد "شرارة البسطة"؟. هل يدرك السيّد أنّه بكلامه يحرّك خطوط الفتنة؟
لا بحث مع "حزب الله" في ظلّ "معطياته" الراهنة يقول أركانٌ سياسيون كُثر. ليفكّ إرتباطه الإقليمي وليفكّك دولته أو ليبدِ إستعداده لتفكيكها ثمّ أهلاً به في موقعه ضمن الشراكة الوطنية اللبنانية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00