مباشرةً بعد خطاب الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله أول من أمس، لم يختلف إثنان في "مناخ" 14 آذار في تقدير انّ هذا الخطاب إنّما جرى إعداده لـ"نسف" المبادرة الفرنسية التي شكّلت الفرصة الأخيرة لإجراء الإستحقاق الرئاسي اللبناني بدون عرقلة سورية.
المبادرة الفرنسية: تحييد لبنان
إلامَ هدفت المبادرة الفرنسية في الأصل؟
لم تكُن الديبلوماسية الفرنسية جاهلة لحظة واحدة انّ التطوّرات الجارية في المنطقة، سواء على صعيد الأزمة الإيرانية ـ الدولية أو على صعيد المسألة الفلسطينية ومؤتمر أنابوليس، بالإضافة طبعاً إلى قرب انطلاق المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، انّما هي تطوّرات مُفضية إلى إنفجار إقليمي أو سلسلة إنفجارات إقليمية في الشهور القليلة المقبلة.
وتأسيساً على الوعي بهذه التطوّرات وإحتمالاتها، كان المسعى الفرنسي باتجاه تحييد لبنان عن هذه الاحتمالات، وبهدف إنقاذ الإستحقاق الرئاسي منها أي حماية لبنان سلفاً. وقد حصلت باريس على دعم أميركي ـ ودولي ـ وآخر عربي لهذه "المحاولة". وفي "الترجمة اللبنانية"، كان يُفترض أن يعني التوافق على حصول الإستحقاق، وصول رئيس للجمهورية اللبنانية قادر على "إدارة" عملية تحييد لبنان عن الصراعات ـ والإنفجارات ـ الإقليمية وملتزم عدم السماح بجعل لبنان ساحةً من ساحات الإنفجار، ومتناغم مع الموقفين الدولي والعربي، على أن يكون في الوقت نفسه قادراً على إدارة التوازنات اللبنانية على نحو "دقيق".
..وترجمتها اللبنانية عبر بكركي: رئيسٌ "غير سوريّ"
يستدلّ على هذه "الترجمة اللبنانية" للمبادرة الفرنسية من معطييَن رئيسيين:
الأول هو انّ الوفد الرئاسي الفرنسي الذي التقى رئيس النظام السوري بشّار الأسد عشيّة قمّة واشنطن بين الرئيسين جورج بوش ونيكولا ساركوزي، اقترح على الأسد الذي أعلن استعداده لـ"التعاون" في تسهيل حصول الإستحقاق اللبناني، أن يتمّ الإستحقاق على قاعدة أن تقترح 14 آذار مجموعة أسماء وأن تختار 8 آذار من بين هذه الأسماء. لم يوافق الأسد على ذلك، وطرح في المقابل أن تأتي اللائحة الاسمية من بكركي "بما انّ الرئاسة تخصّ الموارنة بالدرجة الأولى" كما قال في حينه أو تحايلاً على اعتقاد منه انّ البطريرك لن يتمكن من الوصول إلى إعداد لائحة. لم يتردّد الوفد الفرنسي في الموافقة.
أمّا المعطى الثاني، فهو انّ الوفد الفرنسي برئيسه نفسه كلود غيان الذي زار دمشق، دعا البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير إلى الموافقة على تكليفه "التسمية"، وإلى اقتراح أسماء تنسجمُ مع الهدف المشار إليه آنفاً أي القدرة على إدارة عملية تحييد لبنان. ولمّا اشترط البطريرك الحصول على ضمانة بانّ مآل اللائحة الاسمية سيكون مجلس النواب، أبلغه الموفد الفرنسي انّه سيحصل عليها من ركنَي "مفاوضات التوافق" الرئيس نبيه بري ورئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري.
وبالفعل، على الرغم من انّ البيان المشترك بين بري والحريري بعد تأجيل جلسة أمس 12 تشرين الثاني، لم يتضمّن عبارة "الإلتزام" باللائحة التي يُعدّها البطريرك، بل تضمّن عبارة "كي نتمكّن" من إجراء الإستحقاق في ضوء لائحة البطريرك، فمن الواضح انّ ركنَي "مفاوضات التوافق" إلتزما بـ"لائحة بكركي". كان سعد الحريري يريد أن تكون العبارة واضحة مئة في المئة لكنّ بري أرادها "مخفّفة" لحسابات عدّة، ومع ذلك فانّ نصّ البيان المشترك لا يُقرأ إلا بوصفه التزاماً تجاه البطريرك.
إذاً، عند هذا الحدّ، وعندما صار واضحاً انّ المبادرة الفرنسية ستسلك من بكركي إلى جلسة 21 تشرين الثاني الجاري، وانّها ستُنتج أسماء "توافقية" بمفهوم واضح لـ"التوافق".. أي رئيس قادر على فصل لبنان عن إنفجارات المنطقة من جهة ورئيس يعني احترامُه للقرارات الدولية انّه إذا كان مستعدّاً للحوار حول كيفية تطبيقها فانّه ليس مستعدّاً في المقابل لتكريس أمور واقعة معاكسة لها من جهة أخرى، إنقضّ السيّد نصرالله على المبادرة الفرنسية و"آليتها".
إيران تحتجّ على فرنسا وتلاقي النظام السوريّ
وبنسفه لهذه المبادرة، يعلنُ نصرالله أول ما يُعلن، رفض تحييد لبنان، والإصرار على ربطه بصراعات المنطقة وإنفجاراتها، لا بل هو يعلنُ انّ ثمّة حرباً أو حروباً آتية، وقد أشار بالفعل إلى المناورات والحشود الإسرائيلية وإلى "مناورات حزب الله" الأخيرة. في هذا السياق.
ولا يمكنُ هنا، قراءةُ نسف نصرالله للمبادرة الفرنسية في لبنان إلاّ من زاوية إقليمية إيرانية ـ سورية. ذلك انّ قراراً "استراتيجياً" من هذا النوع، لا يمكن أن يكون بلا موافقة إيرانية تحديداً هذه المرّة إذا كانت موافقة النظام السوري على "النسف" حاصلة إنطلاقاً أو كانت "تحصيل حاصل".
ومع انّ التحليل قد يطول، فانّه لا مفرّ من القول انّ إيران هي الجهة "الحاسمة" في قرار نسف المبادرة الفرنسية. ذلك انّ هذه المبادرة تتوازى وتتزامن مع موقف فرنسي متشدّد، لا بل متصاعد في تشدّده حيال إيران وملفّها النووي، وهو موقف أكده ساركوزي خلال القمة الفرنسية ـ الأميركية الأخيرة. ولا "معنى" لنسف المبادرة الفرنسية في لبنان، إلاّ على أساس اعتبار إيران أن فرنسا متشدّدة ضدّها من ناحية وقد انقطعت الاتصالات الفرنسية بطهران حول "الأزمة اللبنانية" منذ شهور، أي منذ آخر زيارة لجان كلود كوسران في الصيف الماضي من ناحية ثانية وإيران تريد تجميع أوراقها إلى اللحظة "الحاسمة" في وقت قريب من ناحية ثالثة. وعلى أساس هذه النقطة الأخيرة، ليس خارج الطبيعة والمنطق أن تدفع طهران النظام السوري ـ وهو جزء من إستراتيجيتها الإقليمية ـ إلى التراجع عن "تظاهره" بتسهيل الإستحقاق بحجّة انّ "الترجمة اللبنانية" للمبادرة الفرنسية هي "رئيس غير سوريّ" في نهاية المطاف، والنظام السوري "ليس في حاجة إلى دفّ كي يرقص" أصلاً أي انّ له خياراً تعطيليّاً "أصيلاً".
نصرالله: النسف اليوم وليس في 21
طبعاً، على أساس المقدّمات الآنفة، كان "طبيعياً" ألاّ ينتظر نصرالله عشية جلسة 21 الجاري لينسف المبادرة الفرنسية. لكن ما يلفت في خطابه، الى جانب الدلالات والأبعاد الإقليمية، أنه يعلن بلا مواربة أنه لا يريد رئيساً للجمهورية بـ"المطلق". فهو لم يعُد يرى رئيساً بعد إميل لحود. و"الطريف" في الأمر، أنه بعد أن كان رفض مراراً البحث في تسوية سياسية ـ وطنية متكاملة تظلّل الاستحقاق بحجّة أن "شخص الرئيس" هو الأهم، عاد الى طرح العناوين السياسية على نحو لا يُخفي اعتبار أن "حزب الله" هو الطرف الوحيد في البلد، ويريد أن يملي شروطه وصولاً الى تعيين قائد الجيش وقادة الأجهزة الأمنية كافة.
لذلك، وإذا كان كل ما تقدّم ذكره موضع اتفاق في مجمل "مناخ" 14 آذار، فإن ما يستحقّ النقاش هو الجواب عن سؤال: ماذا بعد خطاب نصرالله؟
ستستمرّ المبادرة الفرنسية بالتأكيد. لكنها حتماً ستشهد "تعديلاً".فإذ تأكّد لها أن إنقاذ الاستحقاق الرئاسي بموافقة سورية وإيرانية مُستحيل، لا بد أن تركّز على حصول الاستحقاق، ولا مفرّ من أن تتخذ، بالتنسيق مع الولايات المتحدة والنظام العربي، منحى "فرض" الاستحقاق وحمايته.
البطريرك لن يسلّم بإنهاء رئاسة الجمهورية
على أن الأهم لبنانياً، يبقى موقف البطريرك.
لا شكّ أن خطاب نصرالله يُفترض أن يزيده تمسكاً بإتمام الاستحقاق الرئاسي.. خصوصاً عندما يقول نصرالله بلا إلتباس أن لا رئيس جمهورية للبنان بعد إميل لحود.
قبلَ "خطاب النسف"، كان البطريرك مقتنعاً بأنه وقد افتتح معركة الاستقلال في العام 2000 معنيّ باستكمالها عند هذه المحطة الرئاسية.
وقبلَ "خطاب النسف"، كان مقتنعاً بأن موقع رئاسة الجمهورية، بما هو الموقع الأول للمسيحيين ضمن الشراكة الوطنية، مستهدف.
يُفترض أن يستمرّ البطريرك في المهمة التي اتّفق المجتمع الدولي والشرعية العربية ومعظم اللبنانيين على أن تكون له وحده، أي مهمة تسمية مرشّحين يلبّون المواصفات التي سبق له أن حدّدها، ويشترك فيها مع النظامَين الدولي والعربي ومعظم اللبنانيين: الرئيس اللبناني، المجرّب، القويّ، الذي يستطيع أن يحكم وأن يعيد الاعتبار للرئاسة، والذي لا يستحي مستقبله من ماضيه، والقادر على إدارة الوضع اللبناني وسط الظروف الإقليمية القائمة.
يُفترض أن يعدّ البطريرك لائحته وأن تذهب الى المجلس النيابي لجلسة 21 الجاري.
.. ويُفترض أن يمضي بالتسمية
ويُفترض عدم التسليم إطلاقاً بنهاية الرئاسة المارونية للجمهورية.
ويُفترض أن تكون لدى البطريرك، ولدى الأكثرية، قناعةٌ بأن الذين رفضوا التسوية حتى الآن، و"حزب الله" في المقدمة، سيدفعهم إنتخاب الرئيس الى "التعامل" مع هذا المعطى. والمهم أن يفهمهم البطريرك وأن تفهمهم الأكثرية أن تهويلهم لم يُخفهما.
بكلام آخر، إذا كان البطريرك تردّد سابقاً حيال دعوته الى التسمية، فإنه اليوم مطالبٌ بعدم التردّد إزاءَ خطاب الإجهاز على الجمهورية والرئاسة واتفاق الطائف.
فحتى إذا لم يُنتخب الرئيس في 21، فهو سيُنتخب حتماً في 22 أو 23. ولن ينتصف ليلُ 23 تشرين الثاني إلاّ وللبنان رئيس مقتدر.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.